منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢

مُقدمة

هي

عليه

لأجل هذا أولى العلماء علم الأصول عناية بالغة، واعتبروا تعلمه مُقَدَّما على غيره من العلوم، وصرحوا بأن الواجب على من أنعم الله بالإسلام، وخصه بشريعة الإيمان، أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع، وأن يُثبت قواعد البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان. ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليها الفروع ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حريا أن تخفى عليه أحكام الفروع» (1). وإذا اعتبرنا مكانة الفقه في الثقافة الإسلامية، واحتلاله الصدارة بين منتجاتها كما وكيفا، أمكننا القول بأنه إذا كانت مهمة الفقه التشريع للمجتمع، فإن مهمة أصول الفقه التشريع للعقل. وليس للعقل الفقهي وحده، بل للعقل المسلم كله ويحق لنا أن نعتبر أصول الفقه منهج العلوم الإسلامية، لأنه غدا محور إنتاج الحضارة الإسلامية في كل مجالاتها الفكرية. هذا العلم المحوري في حضارة الإسلام أسهم في إرساء قواعده وإعلاء بنائه علماء الإسلام من كل المدارس الفقهية والكلامية، مساهمات متفاوتة، عبر امتداد هذا الدين في الزمان والمكان وعرف المسلمون هذا النتاج فأقبلوا عليه درسا وحفظا ونال حظا موفورا من الشرح والبيان على تتالي القرون وتعدد الأوطان.

امتدت

هي

ولكن الحقيقة أنه بقي جزء غير يسير من هذا التراث في طي النسيان، كما تلف بعضه بعوادي الزمان، وبعضه بفعل الإنسان خلال الفتن وفترات الظلم التي عرفتها مواطن عديدة من بلاد المسلمين.

وضمان استمرار العطاء الحضاري لأمتنا يقتضي ربط الماضي بالحاضر لاستشراف المستقبل. وذلك بالتعرف على الماضي والاتصال بكل نتاجه بغية تقويمه والاستفادة منه؛ بما فيه من إيجابيات ومن سلبيات؛ على حد سواء. ولكن ثمة تصوّرًا غير واضح لبعض هذا التراث نجم عن ظروف تاريخية أمْلَت رُؤى غير موضوعية على بعض الكاتبين نحو هذا النتاج أو ذاك. ثم جاء اللاحقون فرددوا تلك المقالات، وغدت بعد ذلك حقائق يقينية تعلو على كل نقد وتقويم؛ وكأنها تنزيل من حكيم عليم.

(1) ابن بركة، التعارف، 4.

12