Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٢٣الفصل الأول: المعرفة والدليل
التكليف بإجماع الأمة» (1). وكان إسهام علماء الإسلام في بحث العقل إضافة متميزة في عالم المعرفة، وقد ظهر أثر التوجيه القرآني بارزا في بحوثهم، إذ أرشدهم إلى التركيز على الجانب العملي، فأنتجوا لنا مناهج البحث العلمي، ووضعوا أسس المنهج التجريبي، وعليها شادت أروبا حضارتها المعاصرة (2). وفي مجال العقل جوانب كثيرة أفاض فيها علماء الإسلام، فقد بحثوا عن ماهية العقل وحقيقته وعن أهميته، وقدراته وفي مجال نظره وعمله، وعن العلم الحاصل به أهو صواب كله أم يعتريه الخطأ؟ وما هي عوارض النظر الصحيح؟ وهل المعرفة العقلية ضرورية أم نظرية؟ وما علاقة العقل بالنقل؟ أهي انفصال واستقلال؟ أم صراع وخصام؟ أم تآزر وتكامل؟ إلى ما هنالك من القضايا … وفي مجال أصول الفقه بحث العلماء عن العقل ومدى صلاحيته دليلا لإثبات الأحكام وما هي المصادر المعتمدة على العقل؟ هل القياس والاستصحاب والاستقراء وغيرها أدلة نقلية أم عقلية؟ وما دور العقل في فهم النصوص وإدراك عللها ومقاصدها؟ وفي الترجيح بينها عند التعارض؟ وهل التحسين والتقبيح من اختصاص العقل أم الشرع؟ وما حكم الأشياء قبل ورود الشرع؟ وهل كان النبي متعبدا بشرع قبل البعثة؟ وما حكم من لم تبلغه دعوة الإسلام وكان في جزيرة منقطعا عن الناس؟. هذه وأسئلة كثيرة غيرها تضمنت قضايا أثارت حوارا علميا خصبا بين علماء الإسلام بعضها من صميم علم الأصول وبعضها من ميادين علم الكلام، وبين العلمين وشائج وثقى لم يتمكن الأصوليون من الفصل بينها كلها رغم المحاولات.
وسنحاول إبراز كون العقل دليلا وحجة يلزم بها التكليف، وتحديد مجال
(1) الشقصي، منهاج الطالبين 1: 63. (2) ينظر على سبيل المثال: زيغريد هونكه شمس العَرَب تسطع على الغرب. ترجمة وتحقيق: د. فؤاد حسنين علي. وفي هذا الكتاب أنصفت الباحثة حضارة المسلمين، وإسهامهم في مختلف حقول المعرفة، في الطب والرياضيات والعمارة والآداب والفنون. وبينت أثرهم على يقظة العقل
الأروبي. وعلى جهودهم قامت الحضارة الغربية اليوم.
123