Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٢٦الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العقل غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه ولم يطلع عليها العباد برؤية ولا حس ولا ذوق ولا طعم، وإنما عرفهم الله عقولهم بالعقل منه، «فمن عرف ما ينفعه مما يضره في أمر دنياه عرف أن الله تعالى قد من عليه بالعقل الذي سلب أهل الجنون وأهل التيه.» (1). فهو غريزة لا يعرف إلا بآثاره في القلب والجوارح، ولا يقدر أحد على وصفه بغير أفعاله مهما اجتهد (2). وبمعرفة العقل بآثاره ينتقل الفكر إلى معرفة دور العقل ووظيفته. ويقرر العلماء أن الوظيفة الأساسية للعقل معرفة الخالق، «فالعقل غريزة جعلها الله عز وجل في الممتحنين من عباده أقام بها على البالغين للحلم الحجة، وأتاهم
خاطب من قبل عقولهم، ووعَدَ وتوعد وأمر ونَهَى وحَضٌ ونَدَب» (3). ولذلك كان العقل أحد أهم طرق التكليف، ووجدنا الطريق الأخرى هي السمع، فبهما قامت الحجة على الخلق، وتقرر أن «التعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع» (4). وقد قرر القرآن هذا المنهج في غير ما آية من آياته، فذكر عن أهل النار إقرارهم بسبب خسارهم وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10]. كما نعى على الذين تنكبوا عن سواء السبيل إهمالهم لوسيلة إدراك الحق وهي السمع والعقل، فجعلهم أدنى من دركة الحيوان، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[الفرقان: 44].
ولأجل هذا وجدنا الله تعالى إنما كلّف عباده العقلاء من طريق العقل
1 الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، 202.
2 جعل الغزالي العقل أربعة معان: 1 الوصف الذي يفارق به الإنسان الحيوان، 2= علوم الطفل المميز، 3 = العلوم المستفادة من التجارب 4 معرفة عواقب الأمور وكبح جماح الشهوات. الأساس، والثاني فرع عنه، والثالث فرع عن الثاني والأخير هو الثمرة والغاية
فالأول هو
القصوى.
الغزالي، المستصفى، 1: 72/ 73.
وحول معاني العقل ودرجاته وأقسامه، ينظر الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، 188/ 189.
3) المحاسبي، العقل، 204.
4) ابن بركة المبتدأ، 128 (مخ) - الأصم النور، 178.
126