Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٢٧E
الفصل الأول: المعرفة والدليل
وطريق السمع، وجعلهما عماد الحجة لمعرفة التوحيد ومعرفة الشرائع (1). وفي القرآن آيات تثبت أن العقل وسيلة لإدراك الحق، منها قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17].
ونعى على قوم تعطيلهم جهاز العقل الذي منحهم: يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].
وأمرنا بالنظر والاعتبار: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]. ولم يستعمل القرآن العقل بصيغة الاسم بل استعمله فعلا دالاً على التفكر والنظر، وتكرر ذلك تسعًا وأربعين مرة في كامل القرآن. ويجعل ابن بركة هذه الآيات دليلا على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق، والاعتبار عمل العقل أولا وأخيرا (2). فالاعتبار والتدبر والتفكر صفات لازمة لكل متعبد في آيات الله تبارك وتعالى، ومحال أن يُلزم الله العباد بالاعتبار لغير معنى (3). ولازم هذا المعنى أنه لا عذر لأحد من العقلاء في الجهل بالله تعالى، فحجة العقل تُلزمه الإيمان، إذ لا يصح في عقله أن يأتي إلى دار مفروغة البناء فيحكم عليها أن لا باني لها، أو يأتي إلى كتابة قد كتبت وأحكمت نظما؛ فيحكم عليها أن لا كاتب لها، فلما كان ذلك فاسدا في العقل وجب في العقل لمن اعتبر في آيات الكون أنّ له خالقا خلقه، وبارئا برأه وأخرجه من العدم إلى الوجود» (4). وقد أرشد القرآن إلى دليل الحدوث بقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السماء مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ
-
1) من المصادر الإباضية التي تناولت هذه القضية - ابن بركة الموازنة 2: 408 (مطبوع ضمن السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان (أبو الحسن البسيوي، سيرة البسيوي، 2: 65. الأصم النور،178/ 9. ابن النظر الدعائم، 64 65 البرادي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ. الجيطالي، القناطر، 1 9 السَّالِمي، معارج الآمال، 1: 145.
(2) ابن بركة، المبتدأ،106. (مخ)
(3) الكدمي، المعتبر، 10 ظ (مخ) / 1: 16. (مط).
4 الأصم النور، 10/ 9 - الوَار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 91.
127