Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٢٨الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المُسخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]. ولذلك كانت كل حجج القرآن على المشركين من الأمور العقلية، لأنها أمور ضرورية، فمن أنكر الأمور الضرورية كابر وتجنّن» (1). والعلوم العقلية تثمر المعرفة الحقيقية متى سلم صاحبها من شوائب الغفلة وآفات التقليد.
ويجب التسليم لمعرفة العقل. وردُّ الدليل العقلي بعد سماعه مكابرة
للعقول (2).
وبالعقل تثبت النبوة؛ ويميز بين النبي والمتنبي، لأن التمييز بينهما إما أن يرجع إلى تقليد أو إلى علم ضروري، أو إلى ضرب من الاستدلال والقياس
العقلي.
أما التقليد فلا يمكن الرجوع إليه، لأنه ليس دليلا معتبرا، ولا إلى علم ضروري؛ لأنه لو وجد لما وقع اختلاف الناس حول النبوة، فلم يبق إلا النظر العقلي والاستدلال، فيقيس الناظر ما ظهر على يد النبي من حجج إن كانت تحت قدرة المخلوقين فيحكم بكذبه، وإن عجزوا عنها علم صدقه. ولو أبطلنا القول بالقياس العقلي لم يكن لنا إلى معرفة ذلك من سبيل (3). وهذا المنهج أوضحه الله تعالى في معجزة القرآن وتحديه للبشر أن يأتوا بمثله أو بسورة مثله، فلما عجزوا ألزمهم الحجة بأنه كتاب صدق، وأن محمدا
رسول حق من عند الله الله. ولكن العقل ينتهي مجاله بإثبات التوحيد، ثم يُسلم القياد للسمع يهديه فيأخذ عن الشارع الأخبار والأحكام، ما دام قد ثبت لديه صدق الرسول وصحة الرسالة، ويظل العقل بعد ذلك مساعدا للسمع ومصدقا (4)، إذ لا يستطيع العقل الاستقلال بإدراك السمعيات من أمور الغيب أو الأحكام، فهو لا يحكم فيها بوجوب ولا استحالة وكلها في نظره من الجائزات، ولا مرجح
(1) الوارجلاني، الدليل والبرهان، 1: 23/ 22.
-2 الوَارَجُلانِي، العدل والإنصاف، 1: 25 - 3: 336/ 337.
3) نجاد بن موسى، الأكلة، 60/ 61.
4) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ.
128