Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٠الباب الأول: اجتهاد التأصيل
بالشرائع (1).
E
واشتط بعض فأوجبوا على الإنسان معرفة الشرائع من غير معلم ومخبر والقرآن يردّ عليهم صراحة بإيجاب السؤال والتعلم على الجاهل فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. فكيف يأمر بسؤال أهل الذكر فيما ينال بالعقل والنظر؟
كما الزم الله الناس الحجة بقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
و
لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]. فكيف يقطع عذرهم بما لا حجة فيه على العباد، إذ كانت الحجة هي العقول لا غير؟ فإن كانت علوم الدنيا - وهي سهلة المنال - لا تنال إلا بالتعلم، فكيف بعلوم الدين وأخبار الغيب وأحوال الآخرة؟ (2).
واجترأ بعض بتكليف العقل عند عدم السمع أن يعرف بعض الأحكام التي في وسعه إدراكها بعد معرفته للخالق الصانع المدبر، وقالوا على العاقل أن يكف عما قبح في عقله، مثل قتل الحيوانات وأكل لحومها لأن إيلام الحيوان وذوات الأرواح قبيح في العقل، ولولا تجويز الشريعة له لما كان حسنا أن يأتي إنسان إلى ذي روح مثله فيقتله ويأكله، ولكن لا حظ فيما استقبحت مع ورود الشرائع بالإباحة» (3). والملاحظ أن جمهور الإباضية يرون اعتبار العقل مصدرا للحكم عند عدم الشرع. ولكن الغزالي يحدد دور العقل بكونه دليلا مقررا للنفي الأصلي، وليس مثبتا لحكم جديد (4). الله تثبت بالعقل والرسل، فلزمت كل من بلغ عاقلا، ولذلك أوضح المزاتي أن «حجة الله على عباده قد لزمت جميع البالغين الصحيحي العقول، بسماع وبغير سماع، ولا عذر لأحد في عصيان الله، سمع أو لم
وحجة
1) العوتبي، جواب (ضمن السير والجوابات) 2: 39 فما بعد.
2 المزاتي، التحف، 21 و 21 ظ. 3) الكندي، بيان الشرع 2 302/ 301. - الأصم النور، 179. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 100.
130