Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٢الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العقلية» (1).
E
يصح ورود
وقد يبدو أن ثمة جدلية بين العقل والنقل في هذا النص، ولكن الضوابط المذكورة آنفا توضح حدود العقل وحدود النقل. فجمهور الإباضية يذهبون إلى القول بتحكيم العقل عند عدم الشرع، ومن هؤلاء أبوسعيد الكدمي، وبشير بن محبوب بن الرحيل، وابن بركة، وأبو يعقوب الوَار خلاني (2). ولكنهم يجعلون النص مقدما على العقل، ولا يجنحون إلى تحكيم العقل على الشرع، كما فعلت المعتزلة الذين قالوا بأنه لا الشرع بخلاف مقتضى العقل، ولذلك ردّوا ما يخالف عقولهم. أما الإباضية فتقضي بأن العقل حاكم عند عدم الشرع، ولذلك لزم من يسمع شيئا من الشرائع أن يفعل ما يستحسن العقل فعله، وأن يترك ما يستقبحه العقل. واحتجوا لذلك بآيات من القرآن، منها قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى} [القيامة: 36]. فهو مكلف على أية حال، ولكن لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وهذا الوسع هو العقل الذي الله للإنسان، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَ اتَنهَا} [الطلاق:7]. فكان مما آتاه وجوب فعل ما يحسن في العقل وترك ما يقبح فيه، وذلك عند عدم النص، أما إذا ورد النص فلا حسن عندهم إلا ما حسنه الشرع، ولا قبح إلا ما قبحه الشرع. وبين الموقفين بون شاسع وتمييز واضح (3).
لم
منحه
وقضية التحسين والتقبيح كانت مثار جدل حاد بين طوائف المسلمين، استمرت قرونا عديدة. وجوهر الخلاف فيها: هل يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح؟ أم إن هذا من خصوصيات الشارع، ولا مدخل للعقل في ذلك؟ وتعددت الآراء بين مُغال في اعتبار العقل ميزانا موثوقا به في كل حال لإدراك الحسن والقبح في الأشياء والأفعال، وبين مغال في إهداره في جميع الأحوال.
(1) ابن بركة، المبتدأ، 128.-الأصم، النور، 178. (2) السالمي، معارج الآمال، 1: 175. 3 السالمي، معارج الآمال، 1: 176/ 175.
132