Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٣E 3
الفصل الأول: المعرفة والدليل
ورأي الإباضية أن العقل حجة، كما أن الشرع حجة، وأنه يحسن ويقبح كالشرع، ولكنه ليس على الإطلاق، بل إنه يفعل ذلك عند عدم الشرع، فإن
ورد الشرع بخلافه ترك مقتضى العقل وكان الحكم في الحقيقة للشرع (1). والتكليف بالأمر والنهي لا يقتضي الحسن والقبح، ولا يلزم أن لا يكلف الله العباد إلا من جهة، المصلحة، كما تقول المعتزلة، بل يكون التكليف للمصلحة، ويكون للابتلاء، ويكون رحمة. فتبين أن الشرع هو الميزان لا المصلحة ولا غيرها (2)، فمن الشرع يعرف حُسن الحسن وقبح القبيح لا من جهة العقل، إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات والمستحيلات. كما أن المباح خارج عن حد الحسن و القبح (3). ولذلك فإنه لا تلازم بين نظر العقل حسنًا وقُبحا وبين تشريع الأحكام، بل المعيار الثابت هو الشارع، والعقل بعد
ذلك مؤازر وتابع (4). وانشق عن الإباضية رجل يدعى أحمد بن الحسين الأطرابلسي (؟)، تفرد بآراء شاذة كانت سببا لبراءة الإباضيَّة منه، ومن تلك الآراء قوله بأن حجة الله على عباده قامت على العقل وحده، وبه تعرف الأحكام وأخبار الغيب كالجنة والنار، وكل ما وافق قياسه اتخذه دينا وما خالفه نبذه وراء ظهره» (6). ورد الإباضية عليه مقالاته وحشروه في زمرة المعتزلة الذين رفعوا لواء
العقل واعتمدوه حجة مطلقة ودليلا مقدما للمعرفة.
وقد ردّ الإباضية شطط المعتزلة في اعتماد العقل في كل شيء، ونسب الملشوطي إليهم القول: «بأن حجة الله على عباده ما ركب فيهم من العقول
1 الشماخي، شرح المختصر، 21 و. 2 الجيطالي، القناطر، 1: 238/ 239.
3 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1: 63 - البَرَّادِي، البحث الصادق،58 و 60 و. 4) حول قضية التحسين والتقبيح عند الإباضية، ينظر كذلك _ محمد الكندي، بيان الشرع، 2: 304/ 303. - بشير بن محبوب، المحاربة، 5 ظ. الأصم النور، 275.
:
وحول مناقشة المعتزلة في هذه القضية، ينظر الغزالي المستصفى، 1: 55 فما بعد. (5) ينظر مزيد من آراء ابن الحسين الشماخي سير المشايخ 262 علي يحي معمر، الإباضية
بين الفرق الإسلامية. 273.
6) الملشوطي، أصول الدين، 13 و.
133