Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٤الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الصحيحة، وليس في الحكمة عندهم أن يكلف الله عباده إلا وقد جعل لهم مصالحهم التي يحتاجون إليها فيما كلفهم به، وقد أغناهم الله – زعموا – عن الطلب والسماع بعقولهم عن غيرهم مما يدركون بتفكيرهم، لما جعل في خلقه من الدلائل والبراهين، وذلك في معرفة الله دون ما سواها، ويلزمهم أن يبيحوا للناس ما دون ذلك من المحارم، ويوسعوا لهم إنكار الأنبياء وقتلهم، وإنكار الملائكة، وإنكار المنصوصات كلها من الجنة والنار والقيامة واجترؤوا على هذا كله وأباحوا للناس الشرك بالله. فما الذي أنكروا إذا على مشركي العرب الذين أقروا أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض وأنكروا البعث والجنة والنار؟ وبانت فريتهم وخطوهم عند يعقل» (1).
أحد
من
ولا نوافق الملشوطي على هذه الإلزامات القاسية لقول المعتزلة، فإنه لا منهم يقول بإنكار المنصوصات من الجنة والنار ولا إباحة قتل الأنبياء وإنكار النبوة والملائكة. ولكن العدل يقضي بالحكم على رأيهم بأنه مرجوح فلا يُقدم العقل على الشرع، بل الشرع مقدم ومتبوع، إلا عند عدمه، فحينئذ يفسح المجال للعقل للاجتهاد قدر المستطاع. يتجلى لنا من هذا الحوار الساخن أن دليل العقل كان نقطة خلاف متميزة في منهج الإباضية عن منهج المعتزلة، فوقف الإباضية فيها موقفا وسطا، بينما منح المعتزلة العقل مساحة فوق طاقته، وجعلوه حكما في جميع الموضوعات، عقائدية كانت أم تشريعية.
والخطأ الذي وقع فيه هؤلاء هو إرادتهم تشييد ما وراء الطبيعة عالم الغيب على العقل، وهذا اتجاه خطير، لأنه انصراف عن النص الإلهي، ومحاولة فاشلة لإقامة مصدر المعرفة الغيب غير النبوة (2).
ونخلص من هذا إلى نتيجة مفادها أن الإباضية لم يلقوا بالعقل في زوايا
الإهمال، لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب، ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة ونادى عليهم بالخذلان،
(1 الملشوطي، أصول الدين، 13 و.
2) عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، 469.
134