Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وذلك كثير في آيات القرآن (1).
الفصل الأول: المعرفة والدليل
كما أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه، ولم يُؤثروه على النص، فأعملوه
في مجاله المشروع من إقامة الأدلة على وجود الله ونفي الشركاء عنه، وإثبات
النبوة وصدق الرسول ولكن لا قدرة له على التحسين والتقبيح فيما يتعلق به ثواب أو عقاب من الأحكام التشريعية الصرف. ثم يبقى له المجال فسيحا ليغدو وسيلة من وسائل فهم النص الشرعي، وتعيين مقاصده التقيد في ذلك كله بضوابط اللغة في استعمالاتها ودلالاتها، وقرائن الأحوال التي تعين على فهم المراد. وهذا ما سيتجلّى في مباحث تفسير النصوص، وفي إثبات بعض المصادر التبعية كالاستصحاب والاستحسان، وفي قضايا النسخ؛ ما يجوز أن ينسخ منها وما لا يجوز. فالأحكام العقلية ثابتة ولو لم يرد بها شرع، أما الأحكام الشرعية فلا يعرفها العقل ابتداء، ولكن قد يدرك حسنها وقبحها اتباعا لحكم الشرع. ولئن ذهب بعض الإباضية إلى إثبات الأحكام بالعقل عند عدم ورود الشرع؛ فإنهم اتفقوا على أنه لا حكم عند ورود الشرع إلا للشرع، وهذا هو الفيصل الفارق بينهم وبين المعتزلة (2). ويؤكد الدكتور عمار طالبي أن الخوارج [ويقصد هنا الإباضية، على عادة جمهور الكاتبين عنهم] أول من فتح باب المشكلات الدينية، والفقه السياسي العقلي. وبذلك برهنوا على نفاذ في الفكر، وقوة في الاستدلال، وبراعة في إثارة المشكلات» (3).
وقالت سهير القلماوي عن الخوارج: «لقد كانوا هم الذين فتحوا في عصر متقدم بابا كان لا بد من فتحه للعقل المسلم، وهو باب الفقه والفلسفة الدينية. فبرهنوا بذلك على قوة من التفكير تسبق أوانها لحدتها. ولكنهم عجزوا أن يكونوا فرسان هذا الميدان بعد أن فتحوه. وإن كانت الإباضية
1) فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية مقدمة الشيخ أحمد الخليلي)
13/ 1:12
2) السَّالِمِي، شرح طلعة الشمس 2 +240/ 237 = مشارق أنوار العقول، 42/ 43. 3 عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، 1: 114.
135