منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

E

لا يمكننا أن نشكك فيه أنفسنا. ودرك لحظة حصول اليقين أمر عسير (1). وفي كيفية حصول هذا العلم يفرق ابن بركة بين خبر التواتر وخبر الشهادة؛ بأن الحاكم لو وصل إليه دفعة واحدة عشرة آلاف شاهد من العوام، يشهدون على موت رجل غائب فقالوا رأيناه، ميتا، لم تقبل شهادتهم، ولا يقبل إلا بشاهدي عدل وللعدلين أن يشهدا على صحة الخبر بقول جماعة يسيرة نحو العشرة. وأقل ما يكون فوق ثلاثة إذا جاءوا مفترقين بالخبر، وتواتر الخبر بهم بما يثبت ذلك في النفس.

أما إذا جاءنا العوام مفترقين بذلك لا يعترض عليهم أحد بتكذيب ما يقولون، ولا يختلف خبرهم علمنا أن ما نقلوه إلينا صحيح، ولو أراد أحد أن يشككنا فيه ما استطاع لبلوغ الخبر درجة اليقين (2).

فخبر التواتر يرد متفرقا، يرويه أفراد آحاد، ثم يتنامي الصدق به حتى يبلغ القطع. أما الشهادة فترد دفعة واحدة ولابد فيها من عدالة الرواة. ولهذا رجح قول من لم يشترط في أهل التواتر إلا الشروط المذكورة من العقل والمشاهدة والعدد. أما زيادة شروط أخرى كاختلاف بلدانهم ومواقعهم، أو كونهم مسلمين أو عدولا، فتلك قيود غير معتبرة عند الجمهور (3). - القيمة العلمية للتواتر: تكمن القيمة العلمية للخبر المتواتر في نوع العلم الحاصل به، ودرجته. فهو يوجب العلم القطعي لدى العقلاء، ويُعد مصدرا يقينيا للمعرفة، لا يختلف فيه اثنان ويشترك في معرفته كل مسلم وكافر ويهودي ونصراني» (4). والخلاف في العلم الحاصل به أهو ضروري أم نظري؟

-

فقد ذهب كثيرون إلى أنه علم ضروري لا يحتاج إلى مقدمات نظرية، بل يحصل في النفس بداهة. وهذا قول أصوليي الإباضية قديما وحديثا (5)، كما

(1) الغزالي، المستصفى، 1: 136. فما بعد.

(2) ابن بركة، التعارف، 32/ 31.

3) الكدمي، المعتبر، 153 ظ. - الملشوطي، الأدلة، 4 ظ - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 8. فما بعد الغزالي، المستصفى، 1: 139.

4 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 193.

5 ابن بركة المبتدأ، 106 - الكدمي المعتبر، 153 ظ. - الكندي، المصنف، 1: 44. الملشوطي،

176