منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

للضرورة، ومتشكك في المعلوم على البديهة» (1).

وبناء على هذه القاعدة فإن الإباضية لا يرون إثبات العقائد بأخبار الآحاد، لأن العقائد مبناها اليقين وخبر الآحاد مبناه الظن، إذ قد يعرض لرواته الغفلة والنسيان، وإن كانوا عدولا ثقاةً ولورود التعارض بين أخبار الآحاد ولا يكون التعارض في الأخبار المتواترة، فدل على أن أخبار الآحاد لا تفيد القطع، فلا يعتمد عليها في قضايا العقائد (2). ولأن الصحابة ردوا بعض الأحاديث لما اعتراها من مخالفة لقطعيات القرآن ومتواتر السنة، كرد عائشة حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، لمخالفته للآية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى [فاطر: 18]. كما ردّت حديث قطع الصلاة بالمرأة والحمار والكلب (3). عن أن تصحيح الأخبار وتضعيفها والحكم بالوضع فيها ونحو ذلك

فضلاً

أمور ظنية، فلا يمكن بناء قطعي على أمر قائم على الظن (4). بل إن كثيرا من الأحاديث رويت بالمعنى والرواة في ذلك متفاوتون في ضبط المعاني لاختلاف مداركهم، ومدى إتقانهم ومعرفتهم باللغة، وفيهم الأعاجم ومن لا يحسنون لغة العرب. فكان حديث الآحاد مظنة لاحتمالات المعاني فلا يحتج به في القطعيات (5).

وأزاء الاختلاف في ما يفيده خبر الواحد، وجدنا أبا حامد الغزالي يتجه كعادته إلى التوفيق بين الآراء، فحمل قول من ذهب إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم بأنه ربما أراد أنه يفيد العلم بوجوب العمل (6)، وهذا تكلف في التوجيه. وظاهر مراد هذا القول إفادة خبر الآحاد العلم القطعي استنادا إلى الآية وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ} [الإسراء: 36]. قالوا فلو لم يفد الخبر العلم

ما جاز العمل به.

1) الجويني، الإرشاد، 412.

(2) القنوبي، السيف الحاد، 13. فما بعد.

(3) ينظر تخريج هذه الأحاديث بدقة في القنوبي، السيف الحاد، 19. فما بعد.

4) القنوبي الامام الربيع مكانته ومسنده، 13.

5)

القنوبي، الامام الربيع مكانته ومسنده، 13.

6) الغزالي، المستصفى، 1: 145.

184