منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

حجة مع العقل، كما لا يكون الواحد حجة ولا الاثنان، إذا كان الخبر بأمر يدفعه العقل، فإن قبله العقل جاز العلم به والتدين به (1).

بين

وهنا يغدو الخبر مساعدا للعقل فيما يجوز للعقل النظر فيه، لأنه تأرجح بين الصدق والكذب وبين قبوله وردّه. وميزان العقل في هذه الحال أدنى إلى الصواب. ولهذه المسألة صلة بمعارضة خبر الواحد للقياس، وهي قضية أثارت جدلا الأصوليين، قد نعرض لها في مباحث القياس إلا أن جوهر المشكلة يتعلق بقوة الدليل ومدى إفادة العقل وخبر الآحاد لليقين؛ فالذين قدموا عليه العقل، شككوا في العلم الحاصل بهذه الأخبار للاحتمالات الواردة على طرق ثبوتها، وصحة نسبتها إلى رسول الله؛ بينما تمسك المحدثون ـ وهم أشهر من قال بالعمل بخبر الواحد في قضايا الاعتقاد - بدلالة هذه الأخبار على العلم، وقدموها على العقل، متهمين إياه بالقصور بجانب الوحي المعصوم. والعدل يقضي اعتماد الحديث متى صح سنده إلى النبي، لأنه لا ينطق عن الهوى. ولا يختلف في هذه القضية مسلمان ولكن الإشكال حين يعارض الحديث أدلة أقوى من صحيح المنقول الثابت بالقرآن أو السنة المتواترة أو المشهورة؛ أو من صريح المعقول المتفق عليه بين ذوي العقول السليمة. هنا يترجح العدول عن هذا الخبر الآحادي لا ردًّا للسنة أو إهمالا للنص، بل أخذا بهما بالمعنى الأرجح، وإعمالا للنصوص الأقوى؛ الصريحة في دلالتها، والتي تقضي بأن لا تناقض في الأحكام ما دامت صادرة من مشكاة واحدة. وهذا كله عند عدم إمكان الجمع بين النصوص، فإذا أمكن الجمع انتفى التناقض وارتفع الإشكال، وكفى الله المؤمنين القتال.

(1) ابن بركة التقييد، 336/ 334

186