Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٩٩الفصل الثاني: دليل الوحي
E 3
-5 عرض الحديث على الأصول:
السنة النبوية وحي من الله كالقرآن، غير أنها لم يُوح بها بلفظها ولم يُتعبد
بتلاوتها. وهي مبينة للقرآن بمختلف وجوه البيان والقرآن قطعي الثبوت جملة وتفصيلا، والسنة مقطوع بها في الجملة مظنونة في آحادها، فالقطع فيها إنما يصح على الجملة لا على التفصيل، مما جعلها محل بحث ونظر للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله.
ومن فضل الله أن نالت السنة النبوية حظا فريدا من العناية والاهتمام، وعرفت الساحة العلمية الإسلامية عبر تاريخها أعلاما اهتموا بعلم الحديث رواية ودراية، وغربلوا ما بلغهم من الروايات وبينوا أحوال رواتها وعللها، ووضعوا موازين دقيقة لتصحيح وتضعيف المرويات، سواء ما تعلق بالأسانيد أم بالمتون. وهو ما لم يحظ به كلام بشر في التاريخ غير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اهتم المسلمون اهتماما بالغا بتوثيق الأخبار، لأنه لون من إحقاق الحق وإبطال الباطل، فضلا عن كونه منهجا سليما؛ ومسلكا بالغ الأهمية في باب المعرفة والاستدلال.
ومن ضوابط التوثيق عدم مناقضة متن الحديث لقواطع الأدلة وأساسيات الشريعة. وذلك يتطلب علما، بالقرآن وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة، وعلما آخر بشتى المرويات المنقولة، لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر» (1). إذ إن في السنة متواترا له حكم القرآن، وفيها الصحيح المشهور، وفيها ما دون ذلك مما يكون مجالا للنظر والتمحيص وفق ضوابط توثيق النصوص.
وما كان للسنة المطهرة، وهي شارحة دستور القرآن ومفصلته، أن تناقضه. إذ لا يُعقل أن يناقض البيان المبين ولا أن يعارض الفرع أصله. فالبيان النبوي يدور أبدا في فلك الكتاب العزيز ولا يتخطاه. ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبيناته الواضحات. وإذا ظن بعض الناس وجود ذلك، فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة أو يكون فهمنا لها
1) محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 15.
199