Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧E
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
الفصل الثالث: دليل الإجماع
تمهيد المرجعية التاريخية والإجماع كانت الأحكام في عهد رسول الله موثوقة المصادر لاعتمادها على الوحي بنوعيه الكتاب والسنة. ولما انقطعت الرسالة، وانتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وجد الصحابة أنفسهم أمام حاجة جديدة لتوثيق أحكام القضايا المستجدة، فسلك أبوبكر بالناس منهجا رائدا في تأصيل الأحكام، فكان إذا عرضت له حادثة سأل الناس هل لأحد علم بها من الكتاب أو السنة، فإذا وجد فيها حكما قضى به، وإن أعياه البحث جمع رؤوس الصحابة واستشارهم فإذا اتفقت كلمتهم على أمر أمضاه. وعلى نهج أبي بكر سار خلفه عمر بن الخطاب، بل إنه منع الصحابة من مغادرة المدينة المنورة ليشاركوه حمل هذه الأمانة الثقيلة. ثم تبدلت الأوضاع بعد ذلك، لما تفرق الصحابة في الأمصار، ودعتهم إلى ذلك ضرورة الفتوح والجهاد والقيام بشؤون البلاد الإسلامية المتسعة، وتبصير المسلمين الجدد بأحكام الدين فتعددت أقوالهم، واختلفت آراؤهم، وخفت صوت الإجماع الذي كان ملزما في أول عهد الخلفاء الراشدين. وتعذر بعد ذلك جمع الفقهاء على قول واحد لفقدان التوجيه الرشيد الذي يحقق
هذه الغاية.
وشدت الأنظار إلى هذا النموذج العملي للإجماع، والذي تجسد أول مرة في عصر الصحابة، وغدا محور بحث الفقهاء والأصوليين، بغية تحديد الإجماع مفهوما، وتأصيله دليلا ووضع ضوابطه أركانا وشروطا، حتى يظل مصدرا متجددا للأحكام. بل أصبح وسيلة اعتمدها البعض في مسائل عديدة، ادعوا وقوع الإجماع فيها للتدليل على صوابها.
وظل موضوع الإجماع محل جدل بين مفهومه الاصطلاحي الذي يعني اتفاق جميع المجتهدين وبين الإجماعات الجزئية، وحجية كل منها، كما قامت سوق الجدل حول إمكانية تجدد وقوعه بعد عصر الصحابة.
ولا يزال الموضوع جديدا للبحث ودراسة طرق تحقيق الإجماع في عصرنا،
207