منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

*

E 3

وواضح من كلام الإمام جابر أنه كان ينكر الرأي في مقابلة الأثر، ويفضل اجتهاد الصحابة على من بعدهم للعلة التي أوضحها، وهي مصاحبتهم للرسول ومشاهدتهم للتنزيل. وإذا خلت المسألة من نص أو أثر فسح حينئذ للرأي مكانه وسمعت كلمته.

وقد ثبت عن جابر قوله بالرأي في مسائل عديدة (1). ولكن أبا عبيدة مسلم بن أبي، كريمة تلميذ جابر؛ وردت عنه مواقف متشددة من الرأي عموما ومن القياس على وجه التحديد، إذ اعتبره قولا بخلاف الكتاب والسنة والآثار.

وأيده في هذا الاتجاه تلميذه محبوب بن الرحيل، إذ قال: «ليس في دين

المسلمين قياس، إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار المسلمين، تتبع

ويُؤخذ بها، ويُقتدى بها.

وكان أبو عبيدة يقول: من ذهب في القياس ذهب في الدمار» (2). وكان يعتبر القياس جدالاً بخلاف الكتاب والسنة، وأن كل قوم أعطوا الجدل منعوا العمل … فكل من يجادل لا يجد للعبادة حلاوة، ولا للعمل

بطاعة الله لذة، لأن الجدال والمراء والمقاييس ذهب به عن سواء السبيل، لأن إمامه وقائده القياس، فما وافق هواه فهو مستقيم في القياس، وما خالفه فهو غير مستقيم في القياس» (3).

وممن شايع أبا عبيدة في موقفه أيضا تلميذه الربيع بن حبيب، وجماعة ممن عُرفوا بالتزامهم الشديد بالأثر (4). وكان لهم موقف مخالف ومتحفظ من زملائهم القائلين بالقياس وبخاصة عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج، اللذان تأثرا ببيئة الكوفة ومنهج فقهائها الذين كانوا يقدمون القياس على خبر

الآحاد (5).

وفي بلاد المغرب يصرّح ابن سلام بالموقف نفسه، ناصحا أتباع المذهب

1 سنعرض لنماذج من آرائه في خلال هذا البحث.

2 العوئبي، الضياء، 3: 26. - علماء، عمان السير والجوابات، 1: 301.

3 أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 و.

Ennami، Studies، 101. (4)

5) مهني التواجيني دراسة شرح مختصر العدل 102.

254