منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٦٧

الفصل الرابع: دليل القياس

منهم برأيه، واحتج على صاحبه بالأدلة القياسية. ولكن لم يقطع واحد منهم عذر الآخر، ولم يحظر عليه رأيه. فصار ذلك إجماعا منهم على جواز القياس من غير نكير (1).

فهذا الإجماع من الصحابة من أوكد ما يحتج به في المسألة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجتمع أمتي على ضلال» (2).

وإذا أجمع الصحابة على جواز الاجتهاد والاختلاف بينهم، فهو جائز لمن بعدهم، لقوله تعالى: وَالسَّبِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَنجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]. فليس الأمر حكرا على عصر أو طائفة، بل هو منحة من الله تعالى لأولي الأبصار والعارفين بطرق الاستنباط وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

منهم} [النساء: 83] (3).

من المعقول:

إن الله لا يأمر يمعرفة شيء إلا وينصب عليه دليلا يدل عليه. والنصوص تقصر عن الوفاء بالحوادث والمسائل جميعا مما يلزم عنه أن تثبت أحكام كثيرة بطريق الاستدلال والاجتهاد.

وقد كان النبي يُسأل أحيانا فيتوقف عن الجواب حتى يرد الوحي بالبيان، فإذا لم يرد، اجتهد وفق ما علم من وحي سابق، لا بمجرد نظر العقل المحض. والعقل وحده ليس حاكما فيما لم يرد فيه نص، لأن في الشرع أحكاما كثيرة لا مجال للعقل فيها.

وأهل الإجماع إذا قالوا قولا فلا بد أن يكون عن دليل، كتابا كان أو سنة، وإلا وجب أن يكونوا رجعوا فيه إلى القياس فثبت أن القياس ملاذ ضروري

1) الوار خلاني، العدل، 3: 335/ 330

2 سبق تخريجه

3) الكدمي، المعتبر، مخ= 11 و/ 11 ظ.-مط= 1: 18.

267