منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

الباب الأول: اجتهاد التأصيل

واختصر الوار خلاني الجواب عن هذه الأدلة بأن آيات القرآن المذكورة ليست نصا في الموضوع، وإن شمول القرآن لكل شيء من حيث القواعد الكلية، والمبادئ العامة، وإلا لزم التناقض كما أن الحكم بالقياس حكم بما أرشد إليه القرآن، نفسه لا حكما بالهوى، أو بغير ما أنزل الله، أو اتباعا للظن. والأحاديث التي أوردوها ضعيفة الأسانيد، لا يقوم بها الاحتجاج. وأقوال الصحابة تخص القياس المذموم، وهو ما كان في مقابلة النص، مصادما له أو خارجا عن هديه وضوابطه. وهذا متفق على ردّه وعدم اعتباره. أما القياس المسترشد بهدى النصوص فقد عمل به الصحابة أنفسهم، وبلغ عملهم به قولا وفعلا حد التواتر والإجماع. فلا مجال للجدال العقيم (1)

وأفاض نجاد بن موسى في الرد على أدلتهم النقلية والعقلية، والتفريق بين الأمور التعبدية التي لا قياس فيها، وبين النصوص المعللة المعقولة الحكمة، حيث يجري فيها القياس (2).

وهذا هو صنيع أبي حامد الغزالي الذي استعمل الاستقراء الواسع لأغلب الشواهد والأدلة السمعية والعقلية من الكتاب والسنة والآثار، وخلص إلى أنها تفيد التواتر القطعي على حجية القياس (3).

تقويم الخلاف حول حجية القياس:

ليس في الإمكان فهم دلالة الجدل الطويل - والحاد أحيانا- حول حجية القياس دون ربط القضية بجذورها التاريخية وأسبابها الموضوعية المتمثلة أساسا في الاختلاف بين مدرسة الحجاز الأثرية ومدرسة العراق العقلية. وكان حجر الزاوية في ذلك الخلاف هو تعليل الأحكام. فذهب فريق إلى التمسك بحرفية النصوص، بينما اتجه الجمهور إلى القول بالغائية في فهم النصوص الشرعية. فأهل الظاهر ومن شايعهم في نفي القياس توقفوا عند موارد النصوص لا يتجاوزون حروفها، ولم يستجيزوا من صور القياس إلا ما كان معناه

1) العوتبي، الضياء، 3: 26/ 25 - نجاد بن موسى الأكلة 57.-الوارجلاني، العدل، 2: 274/ 277 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني 530/ 529.-اطفيش، شامل الأصل، 1: 10.

(2) نجاد بن موسى الأكلة، 64 إلى 81.

3) الغزالي المستصفى 2: 234 إلى 278 - باجو، أبو بعقوب الوَارِجلاني، 293/ 290.

270