Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٧١مستفادا
الفصل الرابع: دليل القياس
من دلالة النص اللغوية، أو ما عُرف بالقياس الجلي، وإن أنكروا تسميته قياسا، ونفوا كل تعليل للأحكام، لأن ذلك أن أفعال الله معللة، يعني وهو الخالق المالك المتصرف في شؤون خلقه، المشرع لما يشاء. لَا يُسْلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23] (1). ومن جهة أخرى وقف الغائيون عند معقول النصوص وما يُستفاد من معناها وعبرتها من علل، وأجروا على ما اتفقت علله من الفروع أحكام الأصول. حتى ذهب الغزالي إلى القول بأن مجاري الاجتهاد كلها محصورة في
العلل، سواء تعلق الأمر بتحقيق المناط أم تنقيح المناط أم تخريج المناط (2). والإنصاف يقضي أن نعترف بأن منكري القياس لم يكن هدفهم من موقفهم إلا التمسك بحمى النصوص، وحماية الشريعة من الاضطراب بسبب اختلاف الآراء والأهواء. كما أن القائلين بالقياس لم يريدوا بذلك مضاهاة الشريعة أو الافتيات عليها ولا العبث بأحكامها بدافع الهوى والتشهي. ولكنهم وضعوا ضوابط وشروطا دقيقة لصحة إجراء القياس والأمن من هذه
المزالق والتهم التي رماهم بها قلم ابن حزم رافع لواء أعداء القياس. وحجج الجمهور أنهم وجدوا أحكام الشريعة قائمة على علل ومعان معقولة يمكن إدراكها بطريق سائغ ومقبول فأجرَوا القياس على الحوادث المستجدة. وما استتر عليهم فهم علته توقفوا عنده، بلا تكلف ولا محاولة للي أعناق النصوص. وهذه حال أغلب أحكام العبادات. فضمنوا بذلك وفاء الشريعة بحاجات الناس، وبسط أحكام الدين على الحوادث المتجددة في كل زمان ومكان.
لأنه تعلق
والحق أن القياس في جوهره عمل في إطار النص الشرعي، بالكتاب والسنة في دلالاتهما على الأحكام لتوجيههما أولي الأبصار إلى
التفكر والاعتبار.
1) ابن حزم الإحكام 8: 98.
(2) الغزالي، المستصفى، 2: 230 باجو، أبو بعقوب الوارجلاني، 299 فما بعد.
?
271