Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦الباب الثاني: اجتهاد النفس
واقتصدوا في إيراد تقاسيم الألفاظ ودلالاتها، ولم يستطردوا بذكر التقاسيم المطوّلة التي ظهرت في كتب المتأخرين من الأصوليين، الذين تأثروا بالنزعة المنطقية الغالبة في العصور الأخيرة (1)، فعرفنا مصطلحات المشكك والمتواطئ والمترادف والمتباين والمشترك. ودلالات المطابقة والتضمن والالتزام، والنظر في المعاني المفردة ثم المركبة (2). وما إلى ذلك من المصطلحات التي خلت منها كتابات المتقدمين (3). هذا، وإن كان المشترك معروفا منذ عهود مبكرة. فقد ذكر ابن بركة أن من الأسماء ما يقع فيه الاشتراك بين مسمياته، ومنها ما لا يقع الاشتراك فيه. والمشترك يعرف المراد منه ويزول الشك بالبيان بمقدمة أو إشارة أو دلالة يقع بها البيان، كأن تقول لفلان يَد. فقد تقصد الجارحة التي يبطش بها. ويحتمل الْمِنْةَ والنعمة، كما يحتمل التصرف في الملك. ولا بد من مقدمة لبيان المقصود من هذا الكلام، ليفهم الخطاب ويصح التكليف (4). - قضية بداية اللغة: انتهى بحث أهل اللغة والأصول في هذه القضية بعد جدال طويل إلى رأيين: - أحدهما، أن الله تعالى أنشأ تلك الرابطة بين اللفظ والمعنى، وألهمها آدم، ثم تلقاها أبناؤه من بعده بالتعلم والتلقين، ثم اتسعت اللغات عبر العصور؛ ومع تطور الحضارات، واختلاف أنماط الحياة في شتى بقاع الأرض. واستند هذا الرأي إلى قوله تعالى: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا} [البقرة: 31]. - الثاني: يميل إلى أن اللغة لم تكن توقيفا من الله، بل نشأت نشأت من تواضع الناس واتفاقهم على ألفاظها، إذ دفعتهم الحاجة إلى التعاون وتبادل المنافع إلى
=
1) حول مباحث الألفاظ وصلتها بالمنطق الأرسطي ينظر النشار، مناهج البحث، 25/ 33. (2) الغزالي المستصفى، 1: 29 فما بعد. - الآمدي، الإحكام، 1: 11 فما بعد. - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 217/ 211. 3 تناول الوَار خلاني هذه المصطلحات في كتابه " مرج البحرين" في المنطق، ولكنه أهملها في كتابه الأصولي " العدل والإنصاف". كما شرحها الثميني شرحا وافيا في كتاب " تعاظم الموجين شرح مرج البحرين .. ينظر: الوَار جلاني الدليل والبرهان 2 90 - عبد العزيز الثميني، تعاظم الموجين، مخ: 71/ 65.
4 ابن بركة، الجامع، 1: 68/ 69.
326