Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
ولو تركنا وظاهر الأمر لحكما بتطهير كل ما لاقاه الماء. غير أن ثمة أدلة قامت في بعض المواضع منعت من هذا العموم، وذلك في حكم الماء إذا لاقى
النجاسة.
وقد حدد النبي ذلك بقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (1). فإذا تغيّر لون الماء أو طعمه أو ريحه بنجاسة؛ لم يعد ماءً طهورا (2). وأمَرَ الشارع باجتناب البول، وحَكَم بنجاسته، فكل ما وقع عليه اسم البول كان نجسا إلا أن يُخص بدليل من الشرع (3). فالماء والبول اسمان لغويان والطاهر والنجس اسمان شرعيان، فوجب التسليم لما ورد به أهل اللسان في معرفة الحقائق والإذعان لما جاء به الشرع في معرفة الأحكام. وقد بنى المجتهدون على فقه اللغة كثيرا من القواعد و المسائل الاجتهادية. = ومن ذلك خلافهم في من وجد ماء لا يكفيه للوضوء أو الاغتسال، فذهب الإباضية إلى أنه يستعمل ذلك الماء كله ويتيمم لما بقي من وقال الحنفية ينتقل إلى التيمم رأسا وحجة الأولين أنه واجد للماء، فلا يعدل
أعضائه.
عنه حتى يستهلكه. وحجة الآخرين أن الماء غير الكافي للطهارة كالعدم سواء. ورجح ابن بركة القول الأول، لأنه أشبه بالسنة وأولى بالحجة والله لم يقل: إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم فلا تستعملوا الماء. فالواجب أن يستعمل ما قدر الماء عليه؛ للحديث إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (4). فإذا فني
(1) نص الحديث عند ابن ماجه: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ
سنن ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب الحياض، حديث: 518.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 292/ 293.
-3 ابن بركة، الجامع 1: 294
4) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
ولفظ البخاري: عن أبي هريرة، عن النبي قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم».
328