منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

الباب الثاني: اجتهاد التفسير

والتشبيه، وردوا على طوائف المجسمة والمشبهة (1).

*

وما ورد في القرآن من آيات تُوهِمُ ذلك عمدوا إلى تأويلها بما يحقق التنزيه

الله لأن الجدلية قائمة في

بعيدا عن شطط التعطيل، أي نفي الصفات عن صعوبة التوفيق بين الإيمان بالتنزيل واجتناب التعطيل. وعمدتهم في هذا التزام ضوابط الشرع وقواعد اللغة. ذلك أن الله تعالى خاطب الخلق بما يفهمون من لغاتهم، وبين لهم في قوله: ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]. أن يؤمنوا بغيب الإيمان ال

ويصدقوا بما لا تقدره عقولهم ولا تمثله أفكارهم لأن العقول لا تدرك إلا ما أدّت إليه الحواس أو مثله. وكان منهج الأنبياء في عرض التوحيد ذكر خلق الله، وبيان قدرته في ذلك، لا تحديد صفاته وتشبيهه بخلقه. كما حاج إبراهيم الذي كفر بأن الله يأتي بالشمس من المشرق. وكما قال مُوسَى لفرعون: قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]. ولم يقل له إنه جسم أو نور. ولم يشبهه بشيء من الأشياء. وقال إبراهيم: قَالَ لَا أُحِبُّ الافلين [الأنعام: 76]. يعني الزائل المنتقل، لأن هذا ليس من صفات

الإله (2).

مع

وقد ورد في مسند الربيع حديث عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا رسول الله له فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم، فقال النبي: (يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إن الذي تدعونه بينكم، وبين أعناق ركابكم» (3). وفسر جابر معنى الحديث بقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن تَجَوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة:7]. وأن التشبيه والتحديد لا يكون إلا لمخلوق، لأن المخلوق إذا قرب من موضع تباعد من

(1) ينظر على سبيل المثال: أبو عمار عبد الكافي، الموجز في تلخيص السؤال وتخليص المقال. 1 351 فما بعد.

2 الملشوطي، أصول الدين، 2 ظ/ 3 و.

3 الربيع، الجامع الصحيح، باب 5 حديث 825. ج 3، ص 213/ 214.

358