Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩E
الفصل الأول: البيان
غيره، وإذا كان في مكان عُدم من غيره. لأن التحديد يستوجب الزوال والانتقال، والله تعالى عزّ عن ذلك (1).
ولقد اضطر المسلمون للدخول في متاهات الجدل العقيم حول تحديد حقيقة الصفات الإلهية، وذلك لظروف تاريخية دفعتهم إليها شبهات المشككين في العقيدة ولكنهم استمرؤوا هذه السبيل، ووقعوا في ما حذرهم منه الرسول تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) (2) (3). فغدا البحث في هذا المجال عند كثير من المتكلمين ضربا من الترف الفكري، لأن المسلمين مجمعون على أن العجز عن إدراك ذات الله تعالى هو عين الإيمان. واشتهر في أدبيات الفكر الإباضي مقولة «العجز عن الإدراك إدراك، والخوض في الذات إشراك» (4). ويظل جوهر الإشكال كامنا في تطويع اللغة لاستيعاب معاني عالم الغيب،
وبخاصة وأن الغيب هنا هو
الله
الخالق المطلق، في مقابلة المخلوق المحدود،
مكانا وزمانا؛ وعقلا ولسانا.
المبحث الثالث: الإجمال والبيان - مفهوم المجمل والمبين:
تختلف تسميات المجمل والمبين في كتب الإباضية؛ فالمجمل قد يدعى المبهم، والمبين يسمّى المفصل أو المفسر.
عرف العوتبي المجمل والمبين قائلا: «أما المجمل فهو الذي لا يستقل بنفسه. وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]. وقول النبي: إلا بحقها». في عصمة الدماء من حديث «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللهُ فَإِذا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (s). ولا سبيل إلى معرفة الحق ومقداره إلا ببيان يقترن
1) الربيع، الجامع الصحيح، باب حديث 825. ج 3، ص 214/ 213. 2 الربيع، الجامع الصحيح، باب حديث 823. ج 3، ص 212. 3 الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1: 165. 4 مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية. 110. 5) سبق تخريج الحديث.
359