Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٧١الفصل الأول: البيان
ومخاطبة المكلفين بالمجمل بمنزلة خطاب الموتى ومن لا يفهم. وهو محال. كما استحال خطاب العربي بالفارسية. وردّ عليهم بأن هذا غير محال بشرط إحياء الميت، وبقاء العربي حتى يفهم الفارسية أو يجيء من يُفهمه، وهكذا. فنحن مخاطبون بالمجمل إلى أن يرد بيانه حين وجوبه العمل به وقارنوه بوجوب التبليغ، وهو قياس مع الفارق لأن التبليغ على الرسول وجب على الفور، والبيان ليس كذلك (1). وانفرد ابن بركة والعوتبي، من بين الإباضية، بترجيح الرأي الثاني، وهو منع تأخير البيان عن زمن الخطاب. قال ابن بركة: «إن الله تبارك وتعالى إنما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الأمر، ومراد المخاطب. الحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يُفهم عنه ألا ترى أنه غير جائز أن يأمر أحدا بالقعود وهو يريد منه القيام لأنه إنما يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يُبين مراده لم يكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيّاً أن يعتقد طاعته فيما كلّفه إياه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب. وتمام فصل الكلام أن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم، وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبيّن عنه كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (2). وما استدل به ابن بركة غير مسلّم، لأن المقصود بخطاب المكلف بالمجمل الله اعتقاد أنه حق من عند ثم انتظار البيان للامنثال والعزم على الطاعة فيثاب فإن عزم على غيرها كان آثما والله في ابتلاء عباده مطلق السلطان، له أن يبتليهم بما يشاء، فهو لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
[الأنبياء: 23] (3) واللافت للانتباه أنه لم يُشر أصوليو الإباضية إلى تفرد ابن بركة بهذا الرأي
1 الوارِ جلاني، العدل 1 61. وحول أدلة الجمهور والمعتزلة والردود ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 383/ 368 - الوار جلاني، العدل، 1: 62/ 61 - السالمي، طلعة، 1: 188/ 183. 2 ابن بركة الجامع 1: 71/ 70 - العوئبي، الضياء، 2: 240.
3 السالمي، طلعة، 1: 6.
371