منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٣٥

الفصل الثاني: الثاني: العموم والخصوص

وابن عباس من أهل اللسان، وله في السنة مستند، فقد قال النبي: والله لأغزون قريشا». ثم سكت ساعة، فقال: «إن شاء الله». وفعل النبي هذا دليل على جواز الانفصال، وقد بعث مبلغا ومبينا (2). واعترض الغزالي على هذه الرواية بأنه لا يصح نقلها عن ابن عباس إلا بتأويل عقد النية، ثم إظهار الاستثناء. وبدون هذا التأويل لا يصح الاستثناء. لاتفاق أهل اللغة على خلافه. وإلا لم يكن من تمام الكلام، كما لا يتم معنى المبتدإ بدون الخبر، ولا الشرط بدون المشروط (3).

والموقف الوسط يقتضي جواز المهلة للاستثناء، مادام الفكر متصلا بالموضوع، أو هو في اتصال المجلس. أما اشتراط النية من أول وهلة، ففيه تكلف غير مسلّم، وهذا ما يفسر به استثناء النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لأغزون قريشا». أما إطلاق العنان للاستثناء بلا حدود في النية والزمن، فخروج عن قيود اللغة وضوابط العرف (4).

وشواهد الاستثناء في القرآن كثيرة، والاستثناء في معظمها متصل. ومن ذلك قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا [النساء:192. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجهِمْ﴾ [المؤمنون: 6/ 5]. وقوله: وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سلف} [النساء: 23]. وورد الاستثناء منفصلا في القرآن، ومنه قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمَجهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]. فسأل ابن أم مكتوم عن حاله، فأنزل الله قوله غَيْرُ أُولِي

1) أخرجه ابن حبان عن ابن عباس وأبو داود عن عكرمة القرشي. صحيح ابن حبان كتاب الأيمان ذكر نفي الحنث عن من استثنى في يمينه بعد سكتة يسيرة، حديث: 4407.، سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت،

حديث: 2874.

2 الوارجلاني، العدل، 2: 166.

3) الغزالي، المستصفى، 2: 165 فما بعد.

4) لتفصيل الأقوال في تحديد زمن الاستثناء ينظر السالمي، طلعة، 1: 147/ 146.

435