Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٥٦الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفْسِير
أدلة القائلين بالوجوب؛ فذكر أن حقيقة الأمر ما يكون ممتثله مطيعا؛ وهذا متحقق في الإيجاب وفي الندب كذلك؛ ولذلك إذا سمعنا أمرا بكذا، حسن السؤال عنه: أهو أمر إيجاب أم أمر ندب واستحباب؟ ولو كانت دلالة على الإيجاب حقيقة لما حسن السؤال. أما ما قيل من فهم الأمة الوجوب في أمر الشارع وذم عاصيه. فذلك للقرائن التي احتفت بها، لا لمجرد الأوامر بها. والآيات التي احتج بها أهل الوجوب على لزوم امتثال الأوامر دليل على
هذا، وليست دليلا على أن الأمر المجرد للوجوب.
كما حاول الغزالي إبطال الاستشهاد بالأحاديث النبوية التي اعتمدها القائلون بالوجوب، ومن ذلك حديث بريرة وشفاعة النبي لزوجها. وقال بأن سؤال بريرة كان استفهاما عن نوع الأمر إن كان دينيا فيجب الامتثال أو شفاعة لمصلحة الزوج فتُؤثر غرض نفسها عليه (!).
وهذا تمحل في الجواب لا يستقيم وفهم الصحابة لأوامر الرسول. كما ردّ ابن بركة على أهل الوقف بأنه يلزم من قولهم أن لا يكون لورود الأمر معنى لأننا قبل وروده متوقفون، وبعده متوقفون. والأمر ورد للامتثال لا للانتظار إلا ما لا يُفهم معناه أو لا يُدرى كيفية أدائه، فذلك مجمل يحتاج
إلى بيان (2). وخلص ابن بركة من هذا الخلاف إلى أنه مجرد رياضة عقلية، ليس إلا. والراجح مذهب الجمهور، وأن الأمر المجرد للوجوب حقيقة، لدلالة اللغة والعقل والشرع على ذلك. ولم يُعْنَ الإباضية عموما بالرد على القائلين بأن الأمر لغير الوجوب، فاكتفوا بتقرير رأيهم وأدلته. وخلصوا إلى أن موارد الأمر في الأحكام الأصل فيها للوجوب. وإذا صرفتها القرينة كانت للندب. فأمر الله يكون فرضا ويكون نفلا، وكذلك أمر الرسول يكون فرضا ويكون نفلا» (3). فوجوه الأمر نوعان: إلزام وتحضيض. فالإلزام في الفرائض، والتحضيض
1) الغزالي، المستصفى، 1: 429/ 434.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 87. (3) السوفي، السؤالات، 106.
?456
456