منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٦٢

الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسـ

- الأثر العملي لعلاقة الأمر بالزمن:

للخلاف المذكور حول علاقة الأمر بالفور والتراخي، أثره في المسائل

الفقهية.

فالقائل بالفور يوجب على المأمور التبادر وإلا كان آثما بالتأخير أو التضييع والقائل بالتراخي يجيز التبادر.

وثمة تفاصيل في لوازم القول بالتأخير أو الاشتراك بين التراخي والفور؛ ولا داعي للخوض في متاهاتها، وهي عند التحقيق رياضة عقلية. والنتيجة العملية أن الجميع متفقون على أن مبادرة المكلّف إلى الفعل أفضل عند الإمكان، وإن لم يمكنه وأخره مدى الحياة جاز، ولكن إذا مات ولم يوص به كان آثما عند أهل الفور وغير مضيع عند أهل التراخي (1).

وأبرز مثال يتضح فيه أثر الخلاف في القضية فريضة الحج؛ فأهل الفور يرون أن من توفرت فيه شروط الاستطاعة فقد وجب عليه الحج في أول أوقات الإمكان، فإن أخره بلا عذر كان عاصيا.

وابن بركة من أنصار التعجيل؛ ولم يسلّم لأنصار التأجيل استدلالهم بفعل النبي الذي أخر أداء الحج إلى السنة العاشرة، وهو القدوة في المسارعة إلى امتثال أوامر الله؛ وقد قال: «حجوا قبل أن لا تحجوا».

فقال ابن بركة ردا على هذا وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحث على الحج ويأمر به بالمبادرة إليه، ويتأخر عنه. بل قيل: إن فرض الحج إنما لزمه في عامه الذي خرج فيه، أو أنه وجب عليه ولكن شغل بإصلاح شؤون المسلمين ومحاربة المشركين (2).

أما جمهور الإباضية فيرون أن الحج واجب على التراخي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليه الحج، ثم حجّ بعد ذلك بسنوات؛ وقد بعث قبله أبا بكر ومعه علي بن أبي طالب في الموسم في السنة التاسعة، ثم حج هو في السنة العاشرة. فهذا فرض لم يُحدّده الله تعالى، بوقت وفَعَلَه النبي صلى الله عليه وسلم بعد وجوبه بزمان. وما احتج به أهل الفور من قيام العذر في تأخير النبي لحجه أمر غير مسلّم، فلا

(1) الوَار خلاني، العدل 1: 100.-اطفيش، شامل، 1: 52. 2 ابن بركة الجامع 1: 172/ 173. = 2: 64/ 65.

462