منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧٩

E 3

الفصل الثالث: الأمر والنهي

الصلاة

وقد فصل ابن بركة القضية وخلاف الإباضية فيها، إذ «أجازها أكثرهم، ورأوا أنها وقعت طاعة من عاص، وأن الفعل وقع موقعه من أداء الفرض، وعلى المصلّي ردّ الثوب إلى صاحبه والخروج من الأرض المغتصبة. وهذا قول محمد بن محبوب، بينما يرى ابنه بشير خلاف ذلك، محتجا بأن الصَّلاة طاعة أمر الله بها، والثوب المغتصب قد نهى الله عن لبسه في كل حال. والصَّلاة لا تقوم إلا بثوب طاهر يستر العورة، وقرار طاهر تقع فيه. ولما كان هذا الثوب، وهذه الأرض ضروريين للصلاة، وقد نهي عن فيهما، لم يجز أن تكون الصَّلاة مأمورا بها على تلك الحال، لأن الطاعة والمعصية متنافيان. فالمصلّي مأمور بالصَّلاة في الأرض والثوب الطاهرين من غير غصب ولا نجس، فإذا خالف هذا الأمر كانت صلاته فاسدة بالإجماع. فالصَّلاة في الأرض أو الثوب المغصوب كالصَّلاة في الأرض أو الثوب النجس تماما. فالقياس بينهما صحيح، وحكمهما واحد هو البطلان. ورجح ابن بركة هذا القول وأنه أقرب إلى النفس وأصح دليلا (1). وردّ على من شبه هذه الصَّلاة ببعض البيوع المنهي عنها، بينما رتب الشارع عنها نقل الأملاك. وبيّن أنه قياس مع الفارق. وحلل القضية تحليلا مطوّلا، وخلص إلى ترجيح الحكم ببطلان هذه الصلاة (2).

أما الذين ذهبوا إلى صحة هذه الصلاة، فمبناهم عدم اقتضاء النهي الفساد، أو الفصل بين النهي لذات الشيء والنهي لوصف في الشيء. والصلاة في الأرض المغصوبة ليس منهيا عنها لذاتها اتفاقا بل لوصف عارض، وهو كونها في أرض مغصوبة؛ فهي مشروعة بأصلها منهي عنها بوصفها، فأجزأته الصلاة، ولا يعاقب عليها، بل على غصب الدار والانتفاع بها (3). وذكر الوار جلاني أن مسألة الصَّلاة قد حدثت بعد الصدر الأول، وقد مضى الصحابة ولم يحكموا ببطلانها؛ على كثرة الجورة والغاصبين يومها. ولم يختلف اثنان في هذه الصَّلاة هل هي مجزية أو غير مجزية، حتى نبغ التنطع من بعض المتحذلقين،

(1) ابن بركة الجامع، 1: 481/ 482. 2 ابن بركة الجامع، 1: 528/ 523. (3) الغزالي المستصفى، 1: 79/ 80.

479