Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٠٣*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
ولكن الوصف الثابت بعد الشرع كان مرجعه حكم الشرع لا حكم العقل. فقولنا المباح ما لا أجر فيه ولا وزر عليه، ولا وعد ولا وعيد، قول سليم؛ إذ إنه لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا في تركه، إذا تجرد عن النية. ولكن إذا قارنته النية لحقه الحكم، فيكون بنية التقرب طاعة لها أجرها، وبالنية السيئة يغدو معصية يؤزر عليها (1).
فمن أكل الطعام ونوى به التقوي للعبادة، أثيب، ومن أكله بنية التقوي على المعصية، عوقب. ولذلك جعل الإمام الكدمي فعل العبد قسمين: طاعة ومعصية، لا يخلو من أحدهما (2).
والحكم بالإباحة الأصلية، كان حكما عقليًا قبل ورود الشرع، ولما جاء الشرع أثبته فصار حكما شرعيا، فضلا عما في القرآن والسنة من أدلة تنص على إباحة المعفو عنه من الأشياء. كقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]. وقوله: «وسكت لكم عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» (3).
ولهذا قرر الغزالي ثبوت المباح حكما شرعيا لا عقليا «فدل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب الفعل، ولا طلب الترك، فالمكلف فيه مخير. وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع» (4). فالإباحة الأصلية حكم عقلي، ولكنه يصلح أن يقال إنه حكم تاريخي، وبعد ورود الشرع لم يبق إلا أن المباح حكم شرعي. وهذا ما يتفق والتصور الصحيح لشمول الإسلام كل مجالات الحياة،
1) الوارجلاني، الدليل والبرهان.2.7 طبعة عمان - السالمي، طلعة 2: 217 2 - السالمي، طلعة، 2: 218.
(3) الهندي كنز العمال حديث 980. ج 1 ص 193. ولفظ الحديث عند الدارقطني: عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز
وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها،
وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.
سنن الدارقطني، كتاب الرضاع، حديث:3853.
(4) الغزالي، المستصفى، 1: 75.
،
503