منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٠٨

الباب الثاني: اجتهاد التفسير

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبين لهم) [إبراهيم: 4].

وعماد فهم الخطاب، سلامة العقل ووضوح الكلام. أما وضوح الكلام فهو ما عرضناه في اجتهاد التفسير؛ ولا خلاف في أن كلام الله ورسوله كلام، مبين بلغ الغاية في الوضوح والجلاء. وأما سلامة العقل فشرط في المكلف، ونقصانها أو عدمها يعوق دون فهم الخطاب، فيحول دون قيام الحجة ولزوم التكليف. وذكر المزاتي أن علة التكليف العقل الصحيح الذي ليس بمأفوه ولا زمن، فكل من له عقل صحيح فهو ملزوم، ومحجوج، ومن لا عقل له فليس بمكلف ولا محجوج، ولا يلزمه أمر ولا نهي ولا يكون من حكمته أن يكلف من لا عقل له كما لا يكون من حكمته أن يحط التكليف عن من له عقل» (1). ومن الضروري أن يكون العقل تابعاً للحياة، فالميت لا يخاطب، ولا يلزمه تكليف. وهذا مما لا يختلف فيه اثنان وإنما يُحتج به إذا اقتضى الحال في بعض الأحيان؛ فقد ذكر ابن بركة أن الزوجة إذا مات زوجها فلا نفقة لها عليه، حاملاً كانت أم حائلاً، لأن الخطاب قد زال عنه» (2).

وإذا كان الإنسان موجودا وعاقلا لزمه التكليف بمعرفة ما خوطب به، ولا يُعذر بالجهل. فالجهل ليس من عوارض الأهلية، لأن الحجة قامت بالعقل والرسل. فعلى العاقل أن يعلم التكليف.

وقد تقرر أن مَن جَهل أن الله أمر بالتوحيد، وأنه نهى عن الشرك فهو مشرك، أما إن جهل أن الله أمر بالفرائض التي هي دون التوحيد، ونهى عن المعاصي التي هي دون الشرك، فواسع له ذلك إلى وقت الابتلاء، بأن يحين وقت أداء الفريضة أو يقارف المعصية» (3).

1) المزاتي، التحف المخزونة، 7 و. - كما أوضح الملشوطي وجه الحكمة في ذلك بأن الأمة مجمعة على وصف الله بالحكمة، ومن حكمته أن يكلف أهل العقول، ويبين لهم كيفية إتيان الطاعة واجتناب المعصية. ولو تركهم سدّى الجاز أن يدعوهم إلى معصيته والفرية عليه. أو يدعهم وشأنهم، فيأتون ما يناقض كمال الله وجلاله. وليس هذا من الحكمة في شيء. الملشوطي، أصول الدين، 6 و 6 ظ.

(2) ابن بركة، الجامع، 2: 191. 3 سعيد بن زنغيل الرد على من زعم

177/ 177.

508