منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٢٣

الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي

التوحيد على ما سواه، كما أمر المسلمون بتقديم الطهارة على الصلاة (1). ولم يرجح ابن بركة قولا على آخر، وعقب على الخلاف بقوله: «والله أعلم بأعدل القولين» (2). والقول الثاني هو الراجح، وهو قول جمهور الإباضية، وترجيحه منطقي لأنه لا يتنافى مع القدرة على الامتثال الذي اتخذه أصحاب القول الأول مستندا ودليلا لما ذهبوا إليه وقالوا بأن الكفار في حال كفرهم غير قادرين على فعل الطاعات، لأنها لا تقبل منهم، فهو تكليف بالمحال. والصواب أنهم مأمورون بجميع التكاليف عقيدة وشريعة. وتهوا عن الشرك والمعاصي كلها. ولا عذر لأحد في عصيان الله بعد البلوغ والبلاغ. والحجة في هذا كتاب الله وسنة رسوله. فقد ذكر الله اخبار الأمم الخالية مع رسلهم، وأنهم كلفوهم بالفروع مع التوحيد. فقال صالح لقومه: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73]. وقال هود لقومه: ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:85]. وقال لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}

[الشعراء:165].

والإجماع حاصل على أن هؤلاء القوم الذين أمروا بهذه التكاليف، كانوا مشركين مكذبين لرسلهم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم قريشا حال كفرهم بالتوحيد، كما أمرهم بالفروع. وقال عزّ وجل: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَقِ [الأنعام: 151]. وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]. و قُل لَّينِ اجْتَمَعَتِ الإِنس وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيراً [الإسراء: 32].

(1) ابن بركة، الجامع:2 387 - اطفيش الذهب الخالص 6.

(2) ابن بركة الجامع، 2: 387

523