منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٢٩

E 3

الفصل الأول: التعارض والترجيح

الفصل الأول: التعارض والترجيح

تمهيد حقيقة التعارض بين الأدلة يقصد بالتعارض بين الأدلة الشرعية تناقضها وتدافعها. وذلك بأن يقتضي دليل شرعي حكما معيّنا في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكمًا مغايرا في المسألة ذاتها. وهذا التفسير للتعارض غير موجودٍ في حقيقة الأمر، ذلك أن وحدة المصدر التشريعي، ووصف الشارع بالعلم والحكمة، ينفي احتمال التعارض بين أحكامه لأن الاختلاف بين الأحكام نتيجة الجهل أو العجز أو البداء. وهذه سمات المخلوقين، أما المشرع هنا فهو الله العليم الحكيم، الذي أحاط بكل شيء علما.

وأجلى بيان لعلم الله وحكمته دستوره الحكيم؛ وكتابه المبين. وقد نفى الله عنه هذه التهمة الخطيرة فكان هذا الدستور نسيجا فريدا، أعجز البشر؛ وتحدى الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله. وجعل الله إحكام أحكامه وانسجامها دليل صدق نبوة رسوله أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. والغاية من التشريع إفادة الأحكام ومطالبة المكلفين بالتزامها، وتنظيم

شؤون حياتهم وفق مقتضياتها، سواء في جليل الأمور أم حقيرها. واحتمال وقوع التعارض بين هذه الأحكام يحول دون تحقيق هذا المقصد الأساسي للتشريع، إذ يُفضي إلى التناقض والتجهيل والإيهام والإبهام. وإلى فوات شرط التكليف وهو فهم الخطاب، وهذا ما لا يجوز على شريعة الإسلام أكمل وأحسن الشرائع، وأصلحها للبشرية جمعاء (1). وإذا ما وجدنا بين نصوص الكتاب والسنة تعارضا، فهو أمر ظاهري يعود إلى قصور في الفهم؛ أو عدم إحاطة بأدلة المسألة، ووجوه دلالة تلك النصوص على معانيها. إن في الوضوح والخفاء، أو في العموم والخصوص. وأسباب هذا راجعة أيضا إلى تفاوت النصوص في قوة دلالاتها وفي

1) زيدان الوجيز في أصول الفقه، 344.

529