Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٣١E 3
الفصل الأول: المعارض والترجيح
ولا يصح التعارض بين نصين قطعتين ثبوتا ودلالة، فهذا ما لا يقع أبدا في نصوص الشارع (1). وما دون ذلك من الأنواع يجوز فيها التعارض الظاهري، ويُرجّح بينها حسب قوة كل نص في ثبوته أو دلالته.
وهذا رأي الأصوليين من مختلف المذاهب.
وذكر السالمي رأيا نشارًا لم يسمّ صاحبه؛ يذهب إلى جواز وقوع التعارض الحقيقي بين الظنيات والصواب عدمه، لما ذكرنا من اقتضاء هذا القول الحاق وصمة الخلل بالتشريع (2). كما لا يقع التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، لأن الشرع لا يأتي بما يُناقض العقول. لأن الشارع وهو الذي جعل العقل دليل معرفة الخالق، وأناط به عهدة التكليف، وتبعة الجزاء. وهو ما مضى بيانه بجلاء في مبحث دليل العقل.
وأدلة العقل يستحيل نسخها وتكاذبها. فإذا ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترا، فيُعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترا فيكون مؤوّلا، ولا يكون متعارضا. أما أن يرد نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل، وهو على خلاف دليل العقل، فهذا محال (3). فقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. لا يناقض قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. لأن العلم المذكور في الآية الثانية يعني تميزهم بأشخاصهم بعد ابتلائهم وفرز المجاهدين والصابرين عن غيرهم؛ أو علم النبي والصحابة بهم؛ أو غير ذلك مما بسطه المفسرون. وأما أن يكون المراد به علمًا جديدًا ينكشف الله في ذلك الحين؛ فهذا محال
في حق الله؛ مناقض لصفة علمه المحيط بكل شيء. ومن المصادر المتقدمة التي عنيت بوضع قواعد إزالة التعارض، جامع ابن بركة، فقد حدد منهجه في إزالة التعارض بين الأخبار، وهو أن يُنظر المتقدم
(1) السالمي، طلعة، 2: 193.
2 - السالمي، طلعة 2: 193.
(3) الغزالي، المستصفى، 2: 137/ 138.
531