منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٦٠

الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال

E 3

أما الإباضية فيرون منع نسخ ذلك لدلالة قواطع القرآن عليه، ويتأيد بدلالة صريح العقول، لأن التحسين والتقبيح عند الإباضية للشرع، والعقلُ تابع ومؤازر.

وقد ردّ الغزالي على المعتزلة قولهم، وذهب إلى تجويز ذلك كله، واستثنى منه نسخ جميع التكاليف، ومنها الإيمان بالله، إذ لا يعرف النسخ من لم يعرف الناسخ، فيكون هذا تكليفا بالمحال. كما لا يكلف الله الناس أن لا يعرفوه، لأن ذلك متضمن لمعرفته ضرورة. فكان التكليف بعدم التكليف بالإيمان عين التناقض (!).

كما ذهب ابن حزم إلى جواز النسخ في التوحيد وصفات الله، وأنه قد يأمر بالكفر، ولو أراد الله أن يتخذ ولدا لفعل (2). ومن منعه وأراد أن الله تعالى غير قادر على نسخ أحكام التوحيد؛ ولو فعل ذلك لكان ظلما وعبثا، فهو مخطئ ومفتر في نظر ابن حزم معجز الله ومتحكم عليه، ومُرَتِّب له تحت رئب القوانين العقلية. وهذا كلام يفضي إلى الكفر المجرد، والشرك المحض (3). وحكى الشماخي هذا القول عن ابن حزم ولم يردّ عليه، بل استغفر الله وتاب من تلك الحكاية (4)، وذكر السالمي قول ابن حزم أيضا (5). والصواب أن خصال التوحيد لا يجوز النسخ فيها، وكذلك خصال الكفر والشرك؛ لأنه لم يأت زمان أبيحت فيه (6). فالمعتمد هو الواقع التشريعي الممتد عبر تاريخ البشرية لا مجرد الافتراضات العقلية النظرية. لأن النسخ قضية شرعية، ولا بد لتحديد مجالها من استقراء نصوص الشارع لتبين حدود النسخ على أرض الواقع التشريعي. وقد أثبتت دلائل الشرع أن أصول الديانات وأصول العبادات لا نسخ فيها، فكان التنبيه على ذلك لازما، وإن لم يُناقض

مقتضيات العقول.

(1) الغزالي، المستصفى، 2: 123.

2) ابن حزم، الإحكام، 4: 73.

3 ابن حزم الإحكام 4 73.

4 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 472.

5 السالمي، طلعة، 1: 273. -6 السوفي، السؤالات، 107.

560

B