Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٧١الفصل الأول: التعارض والترجيح
تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء يُنسخ بمثله» (1). فأصحاب هذا القول نظروا إلى الواقع التشريعي، فوجدوا أنه لم يقع في الحقيقة نسخ الكتاب إلا بالكتاب وإن كان ثمة سنة مؤكدة له. ولم يقع نسخ السنة إلا بالسنة، وإن كان ثمة كتاب مؤكد لها. أي أنه لم يقع نسخ أحدهما للآخر إلا ومعه مثل المنسوخ عاضد له. وهذا ما تقتضيه ضرورة الانسجام والتوافق بين الكتاب والسنة، لإبعاد كتاب الله وسنة رسوله عن عبث العابثين. ولولا هذه الضمانة لافتات المبطلون على دين الله، فكلما رأوا آية تعارض حديثا قالوا: نسخ أحدُهُما الثاني، ومَضَوا ينقضون أحكام الشريعة، ويَهدِمُون بناءَها من الأساس، بحجّةِ نسخ الكتاب للسنة ونسخ السنة للقرآن. فإذا سمع أحدهم حديث لا. الرجل على بيع أخيه» (2)؛ قال: نسخته آية يبيع وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: 275]. وإذا سمع آية ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. قال: نسخه حديث «مَن شَهِد لَه خزَيْمَة فحسبه» (3). ويكفي مكانه كُل عذل أمين.
وليس أخطر على الشريعة من هذا التخريف والبهتان. فبان من هذا أن ربط الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب في مجال النسخ أمر شهد له الواقع التشريعي، وهو أكبر ضمانة وحاجز دون هذه الأفهام السقيمة. وليس في هذا ردّ على الجمهور بجواز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن، بل هو توضيح له وبيان. - نسخ السنة بالسنة:
أجاز الأصوليون نسخ السنة بالسنة بلا خلاف. وقال الواجلاني: «فكل دليل دلّ على جواز نسخ القرآن بالقرآن دلّ على جواز نسخ السنة بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد» (4).
(1) الشافعي، الرسالة، 110. 2) سبق تخريجه.
3 الهندي كنز العمال، حديث 37038. ج 13، ص 379.
4 الوار جلاني، العدل، 2: 231.
571