Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٧٤الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستيدلان
E 3
K
وقد أوضحنا أن المسألة تتعلق بثبوت الخبر دون الحاجة إلى التواتر. لأن النسخ يتعلق بالأحكام، والأحكام تثبت بالظن الراجح، دونما ضرورة إلى القطع واليقين. فإذا ما ثبتت صحة الخبر وجب العمل به دون شرط التواتر. ومن وجوه العمل به نسخه للكتاب والسنة المتواترة. بل إن الوار خلاني نفسه يرى أن قول الصحابي: نسخت آية كيت وكيت، مقبول. بل لو قال: الخبر الفلاني والآية الفلانية منسوخة، فإننا نحسن الظن به، ونحمله على السماع ولو لم يذكر لنا الناسخ لها (1). وقال بأن هذا ظاهر روايات الصحابة. أما إذا كان قوله متأولاً عن اجتهاد لا عن سماع فرأيه مثل رأي المجتهدين (2). وقد سبق بيان أن الاحتجاج برَدّ عمر حديث فاطمة بنت قيس، غير مسلم، لأنه شك في الخبر؛ ولم ينف جواز نسخ المتواتر بالآحاد، ولم يطمئن شخصيا إلى حفظ فاطمة. وهو اجتهاد من عمر في ثبوت الخبر. وأما ما اشترطه السَّالِمِي من تكافؤ الأدلة لثبوت النسخ، فالجواب عنه أن دليل النسخ أو النص الناسخ يتجه إلى الحكم فيرفعه، ويقطع استمراره، لا إلى أصل الحكم فيبطله فأصل الحكم السابق ثابت ثبوتا قطعيا، وهو السنة المتواترة أو القرآن أما استمرار الحكم ذاته فهو ثابت ثبوتا ظنيا (3)، إذ هو محتمل للتخصيص، والتقييد والنسخ، وهذا محل وفاق. فكان استمرار الحكم مكافئا في القوة لدليل النسخ، وهو هنا خبر الآحاد في كونهما ظنيين، فبطل ما ذهبوا إليه، وصح القول بجواز نسخ متواتر الكتاب والسنة بأخبار
1) وقول الوَارِجُلانِي هذا موافق لرأي أبي عبد الله البصري، وأبي الحسن الكرخي من المعتزلة، ينظر: أبو الحسن البصري، المعتمد، 1: 418 - السالمي، طلعة، 1: 296. ولكن هذا القول مخالف لجمهور الأصوليين والاباضية، فهم لا يعتدون بقول الصحابي: إن الحكم منسوخ حتى يذكر الدليل الناسخ الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 485.-السالمي،
طلعة، 1: 295
2 الوار خلاني، العدل، 2: 233. (3) البوطي أصول الفقه، 282.
574