منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٨٨

الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال

الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم. وذلك بشرط مخصوص وعلى وجه مخصوص» (1).

وفي موضع آخر قال: «وإنما فَضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله، واعتلاق قلوبهم أمورا تُدرك بالقرائن، فيسدد لهم ذلك إلى الصواب، من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة؛ إذ أفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطا» (2). وذكر عن بعض السلف قولهم: «ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلناه على

الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة رضي الله

عنهم

فنأخذ ونترك، وما

جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال) (3). فتبين بهذا أنه على نهج الإمام جابر يفضل أقوالهم ولا يجعلها حجة

ملزمة.

ولكن ليس كل الإباضية على هذا الموقف في تفضيل اتباع قول الصحابي، فابن بركة يفصل القضية، بدقة مميّزا بين ما له حكم المرفوع من أقوالهم، وما ليس كذلك، وبين ما كان محل اتفاق بينهم وما كان محل اختلاف، وبين المقلد والمجتهد. فَحَكَم بأن تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام، وما كان طريقه طريق السمع. ألا ترى أنك تحكي عنهم الإجماع، وإن كان الخبر منقولا عن بعضهم، إذا لم يُنقل عن أحد خلاف لذلك. ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا، ولم ينكر عليه غيره، وإن عُلم له مخالف في الصحابة فلا. وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف بعضهم على بعض، لأنه ليس في طبقتهم، لأن الصحابة

هم

منهم

الحجة التامة» (4).

واستشهد ابن بركة لموقفه بآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شهداء على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. وآية {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا

(1) الجيطالي القناطر، 1: 76. 2) الجيطالي القناطر، 1: 182/ 183. 3) الجيطالي القناطر، 1: 182/ 183. 4 ابن بركة، الجامع، 1: 23/ 22.

588