Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٩٠الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
وقد سئل أبو عبيدة: أيعمل بما أفتاه الثقة إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال: إن عرفت الحق عملت به وإلا فلا. قال: ولا تسلّم لرجل يحدث بكل ما سمع، ولكن تميز المعتمد عليه من الأقاويل» (1).
وقال ابن خلفون بعد عرضه أدلة الأحكام: ولا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد عالم، وإن عظم قدره وجلّت منزلته، صحابيا كان أو غيرهم ممن دونهم، لقوله تعالى: فَإِن نَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[النساء:59] (2).
وهذا ما استقر عليه رأي الإباضية أن لا حجة في قول الصحابي مجردا، لأنه ليس معصوما، ولم يرد عن المعصوم ما يجعل قوله حجة، إلا ما كان إجماعا
فلا خلاف.
وأما ما ذهب إليه الإمام جابر وابن سلام والجيطالي فهو تفضيل رأي الصحابة على رأي غيرهم، لا إلزام الناس به. وهو موقف جمهور علماء الأصول، خلافا للحنفية والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد ومالك (3). أما إذا قال الصحابي أمرنا بكذا، أو كنا نفعل كذا على عهد رسول
أو
من
السنة كذا؛ فهو محمول على السنة، فيجب العمل به (4). وإن أفتى فيما لا مجال للعقل فيه، فيُحمل على السماع؛ فالحجة في مستنده
لا في قوله.
وإن كان هناك إجماع من الصحابة ولو سكوتيا، فالحجة في الإجماع. وإن وقع الاختلاف بين اجتهاداتهم فللمجتهد أن يختار منها ما يشاء دون إلزام، بل يتبع ما يعضده الدليل. وذكر ابن بركة رواية عن الإمام علي بن أبي طالب أنه خطب للجمعة
1) أبو عبيدة مسلم، مسائل أبي عبيدة، 12 ظ.
(2) ابن خلفون، أجوبة، 102/ 101.
3 ينظر: الغزالي المستصفى 1 267/ 260 - الزحيلي أصول الفقه، 1: 251/ 258. وأحال
إلى مصادر عديدة.
4) ابن بركة الجامع:2: 252 - الوَارِجلاني، العدل، 2: 217
?590
590