منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩٤

الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال

E 3

وهل كان النبي بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله؟ لم يتحدث متقدمو الإباضية عن شرع من قبلنا كمصدر للأحكام، بل نفوا

كونه شرعا لنا.

من

ذلك أن ابن بركة ذكر اختلاف أصحابنا في كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. ورجح فساد ذلك، وهو المخابرة التي نهى عنها النبي، ولأنها لا تشبه المضاربة، لأن المضاربة تتم بالمال فقط، ولا تشبه الإجارة، لأن الإجارة

تذهب بذهاب العمل. وكلا الوصفين غير متحقق في المخابرة. وقد قيل بجوازها استدلالاً بآية الرضاع فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: 6].

وجوابه أن ذلك نص خاص، لا حظ للنظر معه. أما الاستدلال بآية إجارة مُوسَى عاملا الشعيب فجوابه «إنا لم تتعبّد اليوم بشرائع الأنبياء المتقدمين، فنحن على شريعة محمد، ولسنا على شريعة شعيب. وشريعتنا ناسخة لكثير من شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم» (1). فقد وظف في هذه النظرة الناقدة الاجتهاد القياسي، وخلص إلى عدم صحة المخابرة، معتمدا على السنة التي وردت بالنهي عنها. وعلى الدليل العقلي للرد على من قال بجوازها، وانتهى إلى عدم الاحتجاج بشرع من قبلنا جملة وتفصيلا؛ ولو حكاه الله في القرآن.

ونص في موضع آخر أن الإسلام فسخ كل عقد قبل الإسلام، إلا أشياء

أوقف النبي أمته عليها، وأثبتها فصارت كالفعل المبتدإ» (2). وبين الإمام الكدمي أن كل ما حلّ في شريعة نبي من الأنبياء صلوات الله عليهم كان التمسك به هدى وعدلا، وصوابا، ما لم ينسخه غيره من الأنبياء والمرسلين. فإذا جاء الدين الناسخ صار ذلك ضلالا وخطأ لا يجوز

الله

التمسك به» (3).

كما أكد أبو ستة أن الراجح أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، إلا في ما

(1) ابن بركة، الجامع، 2: 399/ 400.

2) ابن بركة، الجامع، 2: 108.

(3) الكدمي، المعتبر، = (مخ) - 82 ظ / 83 و. = (مط) 1: 184.

594