منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٢١

E

الفصل الثاني: الانتد لان

فإن كان ذلك الملهم نبيا فهو حجة اتفاقا لأنه نوع من الوحي، وإن كان غير نبي. فالصحيح أنه ليس بحجة لعدم العصمة.

وذهب بعض الصوفية إلى أنه حجة قاصرة على الملهم دون غيره، وهو مقتضى مذهب الإمام الكدمي، فإنه جعله حجة يضيق بها جهل الجاهل. والزم صاحبها العمل بها في بعض المواضع (1).

والحق أن الإباضية لم يعتبروا الإلهام حجة شرعية في مواجهة النص والأدلة الأخرى، وإنما يعمدون إليه عند غياب النص في حالات خاصة. وهذه الحالات بينها الإمام الكدمي وابن بركة.

فأبو سعيد الكدمي نص على أنه عندما تقوم الحجة على الإنسان بوجوب فريضة مؤقتة عليه، وتعدّر أن يصل إلى من يُعلمه كيفية أدائها .. وهو الذي يسمّيه بالمعبر فإنه يؤديها كما حسن في عقله، أو ألهم تأديتها، فإذا قامت عليه الحجة الشرعية بكيفية أدائها وجب عليه ترك ما حسن في عقله والتمسك بمقتضى الدليل الشرعي.

أما ابن بركة فذكر عن المنقطع في جزيرة نائية، لا يجد من يُخبره بأحكام الحلال والحرام. فإنه يترك ما قبح في عقله تناوله، إلى أن يجد المعبر الشرعي، فقد يترك أكل الحيوان المباح، لأن ذبحه وإيلامه قبيح في العقول (2). وهذه الصور تندرج في حجية العقل ومدى اعتماده مصدرا للمعرفة، ومجال الاستدلال به وبخاصة عند غياب الدليل السمعي وخبر الرسول. وأكد ابن بركة عدم حجية الإلهام عند ورود الشرع، مبيناً أن السلف يكونوا في اجتهاداتهم ملهمين بل كانوا يعتمدون القياس، وأن المستفتي لا يعلم الملهم من غير الملهم. وأن مدعي الإلهام ومن لا يدعيه يستوون في الحجة، إذ يدعي كل واحد على صحة رأيه بقوله: هذا ما ألهمته. والقرآن تعبدنا بغير ذلك، إذ قال تعالى: سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ

وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].

لم

فلو جاز أن يكون العلم إلهاما لارتفع عندئذ النظر والاعتبار، ولما احتاج

1) السالمي، طلعة، 2: 188.

2) أحمد الخليلي، مقابلة خاصة، بتاريخ: 10/ 1/ 1997.

621