Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٣٣الفصل الثاني: الانتد لان
أجاز شرب الخمر وأكل الميتة وقذف المحصنات؛ إن خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك (1). فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار، والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه، هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب، لقوله: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَنِ} [النحل: 106]. فَعَدرَه في هذه الحال، وهو الله تعالى.
يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا أعظم الكذب، لأنه كذب على الله فالكذب على المسلمين أيسر، إذا لم يعرف المعاريض، ومن المعاريض أن يقول: إن محمدا يكذب على الله، وهو يقصد شخصا اسمه محمد فيه هذه الصفة، وليس رسول الله (2). والذي يبدو لنا راجحا هو الرأي المانع للعلة التي أوضحناها، ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يُتسامح في حق العباد؛ إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة. فالقياس على الكفر قياس مع الفارق. والله
أعلم.
وفي حال الإكراه على الزنى والتهديد بالقتل قيل: لا يجوز له ذلك؛ لأن الزنى ظلم للمرأة، فليس له أن يظلم غيره ليحيي نفسه. وإن كانت المرأة راضية بذلك، لم يجز له أيضا لما يلحقها من العار والإثم العظيم عند الله، لأن الله لم يأذن لها بأن ترضى به فرضاها بما لم يجعل الله الرضا لها به، لا يصير غير ظلم منه لها؛ كما لو أكرهه جبار على قتل رجل، فرضي القتيل ليخلصه من الإكراه، لم يجز له ذلك، ورضاه لا اعتبار له. أما إذا أكرهت المرأة على الزنى فلْتُمسك جوارحها، وليست كالرجل، لأن الفعل منه، وأما فعلها فهي أن لا تطاوعه، ولتدفعه ما استطاعت، وليس سبيلها كسبيل الرجل (3). والله أحلم من أن يؤاخذ العباد فيما غلبوا وقهروا
1) ابن بركة، الجامع، 1: 191. 2 ابن بركة، الجامع، 1: 191/ 192.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 193.
633