Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٤٩الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
يل هو متردد بين العبث والجنون.
وهذا ملحظ دقيق يميّز بين الناس في مجال الاجتهاد الشرعي، فلا يناله إلا من تأهل له وامتلك أدلته. أما العامي، والجاهل، فليس من حقهم ذلك، ومحاولتهم للاجتهاد مردودة؛ وهم في ذلك أشبه بمن يحاول عد نجوم السماء. وليس هذا حجرا للاجتهاد، بل هو ضبط له، فلا يلج بابه إلا القادرون، فمن رامه سعى في امتلاك أسبابه وأدواته ووجد الباب مفتوحا والولوج مسموحا.
2 - مشروعية الاجتهاد
الاجتهاد عمل عقلي في تفهم نصوص الشارع، واستلهام مراده إذا أعوزه
النص، لاستنباط الحكم الشرعي للحوادث المستجدة. ولكن لا دخل للعقل في إثبات مشروعية الاجتهاد. وقد صرح الوَارِخلاني أن العقل لا ذلك ولا يحيله، لأنه من الجائزات التي لا يوجب يقطع العقل فيها بشيء (1). ولذلك كان المعتمد في إثباته ومشروعيته على
الأدلة النقلية. وأدلة الاجتهاد في القرآن مشمولة في عموم الآيات التي تدعو إلى النظر والاعتبار، وقد تضمنها سياق الحديث عن مشروعية القياس ومن ذلك قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]. وقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا} [محمد: 24]. وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نضربها لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُها إِلا العَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. وقوله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]. وغيرها من الآيات، أوردها الوَارجُلانِي لبيان مشروعية الاجتهاد (2). وأما من السنة فاشتهر عند العلماء حديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب
(1) الوار جلاني، الدليل، 2: 59
2 الوار جلاني، الدليل:2 59 - ابن خلفون، أجوبة، 99/ 98.
649