منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٥١

الفصل الثالث: عملية الاجتهاد

وأيا ما كان، فالاجتهاد وقع وأقره القرآن؛ تصويبا أو استدراكا. أما اجتهاد الصحابة فقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في حوادث عديدة، منها اجتهادهم في تحديد المراد من قوله: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» (1)، فأخذ بعضهم بظاهر اللفظ وأخر العصر عن وقته وصلّى في بني قريظة، وأخذ آخرون بمعناه وفهموا منه الإسراع. فصلّوا العصر في وقته في الطريق. وأقر النبي الجميع (2).

كما صوّب خطأ عمار بن ياسر في اجتهاده لما أصابته جنابة ولم يجد الماء فتمعك في التراب؛ قياسا لبدل الغسل على بدل الوضوء. فقال له: «إنما يكفيك هكذا» (3). وبيّن له أن التيمم للوجه واليدين كاف. وقد سُرَّ رسول الله بجواب معاذ لما بعثه إلى اليمن، وسأله عن معتمده في القضاء، فأجاب معاذ بأنه يعمد أولا إلى كتاب الله ثم السنة، فإن أعوزه الدليل فيهما قال: «أجتهد رأيي ولا آلو» (4). وتم تدريب الصحابة على الاجتهاد بين يدي النبي. ووصف الوَارِجلاني مقدرة الصحابة على الاجتهاد بأنهم كانوا «وافري العقول،

1) أخرجه البخاري عن ابن عمر، قال: قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب صلاة الخوف باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء،

حديث: 918.

2 السالمي، طلعة، 2: 300.

3) أخرجه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم عن عمار بن ياسر بألفاظ متقاربة.

صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟، حديث:335. صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة باب التيمم، ذكر خبر ثان يصرح بأن مسح الذراعين في التيمم غير واجب، حديث: 1320.

سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب التيمم، حديث: 278.

السنن الكبرى للنسائي، بدء التيمم، نوع آخر، حديث:295.

(4) أخرجه الدارمي وأبو داود والبيهقي وأحمد والطبراني عن معاذ بن جبل. سنن الدارمي، باب الفتيا وما فيه من الشدة، حديث: 173. سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، حديث: 3136. معرفة السنن والآثار للبيهقي، الاجتهاد، حديث: 55. مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، حديث: 21551. المعجم الكبير للطبراني، بقية الميم رواية أهل الكوفة المراسيل، حديث: 17179.

651