منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٧٤

الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال

ذلك أن الشطط وتضييق ما وسع الله على عباده، ونسبة كل مخالف في مسائل الاجتهاد إلى الضلال والابتداع هو بدعة لم تشرع في دين الله. وقد عمد إليها بعض المسلمين في جدالهم مع مخالفيهم، والذي يخشى منه أن يكون هذا ستارا لشهوة خفية، وأنانية مقيتة، تسترت بقناع الشرع والانتصار للحق» (1). لأجل هذا، فنحن لا نملك أن تصدر على الإمام الغزالي حكما قاسيا كهذا، وإنما نقول: إن ما أداه إليه اجتهاده كان عن مقدمات غير مسلمة، في تخطئة من خالفه، وأن التصويب والتخطئة في الظنيات قضية ظنية. والراجح رأي الجمهور لاعتضاده بالدليل من الحديث الصحيح وإجماع الصحابة الكرام. ثم إنه لا ضير من الحوار بين العلماء المقتدرين في المسائل الاجتهادية مما اختلف فيه الفقهاء، بغية التعاون في البحث عن الحق الواحد في ميزان الله (2)؛ فإن وصلوا إليه واتحدوا في التمسك به، فنِعِمَّا هي، وإلا كان على كل واحد أن يعذر الآخر، ويوصيه بالعمل وفق ما أدى إليه اجتهاده. ما دام مبناه

فأخطأ

الدليل، وسلمت له الغاية والوسيلة بصدق النية وصواب الحجة.

وهذا ما يقضي به دين الله، ويقتضيه منهج الإنصاف وقواعد الاجتهاد.

المبحث الثالث: العاجز عن الاجتهاد حجة الله قامت على الناس جميعا بدليل العقل والسمع؛ فعليهم أن يعبدوه كما شرع. ولا يُعذر أحد بالجهل بالأحكام.

ولكن ليس في وسع كل الناس معرفة الأحكام من أدلتها مباشرة، بل ذلك قاصر على المجتهدين ممن أوتوا القدرة على فهم الأدلة واستنباط

الأحكام. وكثير من الناس لا يملكون هذه المقدرة لعدم استيفائهم شروط الاجتهاد، وليس لهم من سبيل غير التوجه إلى القادرين واستفتائهم، كما قال تعالى: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

1) البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، 193.

2) البوطي، السلفية، 195.

674