منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٨٩

الفصل الثالث: عملية الاجتهاد

وهي قضايا الفقه السياسي، إذ إن نصوص الشرع فيها محدودة، ففي القرآن آيتان تتحدثان عن الشورى وآية تتحدث عن طاعة أولي الأمر، وآيات تأمر

بتطبيق أحكام الشرع وحدوده، ورعاية الشعائر العامة للإسلام (1). ورغم ثراء تجربة التطبيق الأولى لهذه الأحكام على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، إلا أنها لم تستثمر في مجال الاجتهاد على الوجه الأمثل، وظلت سيرًا تُحكى وتاريخا يُرَدّد. ونأى المسلمون في واقعهم العملي عن هذا النهج النبوي، وطغى الاستبداد السياسي منذ فجر مبكر على كثير من بلاد الإسلام؛ فأحجم الفكر الفقهي عن تناول هذا الجانب، إلا واصفا أو مبررا لانحرافات وقعت، كقول الماوردي بجواز إمارة الاستيلاء (2)؛ نزولا تحت ضغط الواقع والانحراف السياسي الذي أناخ على معظم البلاد الإسلامية بعد الخلافة الرشيدة. وكان قول الماوردي تقديرا لحال الضرورة، ولكن مسار الانحراف زاد تجذرا واستمد مشروعيته من الفقه التبريري؛ فأصبحت الخلافة فيئا وغنائم تقتسم، ومالا وتركة تورث. وتجرع المسلمون من هذا الانحراف ويلات عديدة طيلة هذه القرون، ولا يزالون

وكان للظروف السياسية التي عرفها الإباضية عبر تاريخهم أثر بارز على الاهتمام بهذا الجانب في اجتهاداتهم الفقهية، ووجدنا صلة حميمة بين الاجتهاد وبين الممارسات السياسية في الفقه الإباضي. كما وجدنا مؤلفات مطولة حول الإمامة وحكمها وشروطها، ومن يتولاها، وشروط الإمام، ومواصفات عماله، وعلاقة الرعية بالإمام في حال العدل وحال الجور. وتجلت قضية الولاية والبراءة بارزة في هذه القضايا أيضا، وكان للمجتهدين في باب الولاية والبراءة وأحداث الأئمة تحليلات دقيقة وثراء فقهي خصب، إذ طبقوا هذه القواعد على كل أئمة المسلمين الذين تولوا أمانة

1) ذكرت الشورى في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ آل عمران: 159. وقوله: (وَأَمْرُهُمْ شورَى بَيْنَهُمْ الشورى: 38. وأمر الله بطاعة أولي الأمر في قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر منكر النساء 59. وأما آيات تطبيق الأحكام والحدود فهي كثيرة. 2) الماوردي، الأحكام السلطانية، 39.

689