منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٨٢

الفصل التمهيدي

يتوصل أحد إلى معرفة الفقه حتى يكون عارفا بأصول الفقه، قال: «فإن قيل إن أصول الفقه إنما وضع في القرن الثالث، وهو زمان تابعي التابعين، فالصدر الأول من الصحابة والتابعين كانوا أفقه ممن بعدهم، فأين ذلك التوقف؟ قلنا: إن الذي وضع في القرن الثالث إنما هو اصطلاحات الفن، فإنه كان معلوما للصحابة ومن بعدهم، فهم يقدّمون الخاص على العام، ويردّون المتشابه إلى المحكم، وهكذا، وهذه الكيفية هي نفس أصول الفقه. فاندفع الإشكال. نعم، وعلى طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قد جرى جُلُ سَلَفِنا من أهل عُمان، فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص، وبالعام في موضع العموم، وبالمطلق في موضع الإطلاق، وبالمقيد في موضع التقييد وهكذا من غير أن يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن» (1). فهذا تصريح من الإمام السالمي بتأخر التدوين الأصولي الاصطلاحي عند الإباضية، رغم أنه في القرن الثاني الهجري كانت قد تأسست آراء الإباضية في معظم القضايا الفقهية والدينية. وذلك أواخر سنوات أبي عبيدة مسلم. إذ سجلت مدوّنات الفقه الأولى نشاط تلاميذ أبي عبيدة في حوار علمي قائم على قواعد الاجتهاد (2).

وإذا عدنا إلى نقطة الانطلاق، وجدنا إمام المدرسة جابر بن زيد، قد أخذ قواعد الأصول ومنهج الاجتهاد عن أساتذته من الصحابة الأجلاء، ومن هؤلاء ابن عباس الذي أحبه فتأثر بمنهجه الفكري وعنه تلقى تفسير القرآن حتى صار إماما في التفسير وحجة في التأويل. وتجلّت نزعة ابن عباس العقلية في آثار تلميذه جابر، إذ لم يكن وقافا عند ظواهر النصوص، بل كان يبحث عن العلل ومآلات الأفعال، ملتزما بضوابط اللغة؛ ومستهدفا مقاصد الشارع. ولكنه ظل مرتبطا بالواقع؛ فلم يستهوه بريق الفقه الافتراضي (3). بل إن أهم آراء ابن عباس نجدها نفسها هي آراء الإباضية. ولو خالفت

(1) السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 14/ 13.

2) عبد العزيز بدوي، دور المدرسة الإباضية في الفقه والاجتهاد. ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، 726/ 725.

(3) مهني التواجيني دراسة وتحقيق شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي، 27/ 26.

82