منهج الاجتهاد عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

Alsaidia_319_Modified

الجزء ١ · صفحة ٨٩

E 3

الفصل التمهيدي

في نسبته إلى خطاب الشارع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ويأخذ الأصولي واحدا خاصا وهو قول الرسول الذي دلّ المتكلم على صدقه؛ فينظر في وجه دلالته على الأحكام؛ إما بملفوظه وإما بمفهومه، أو بمعقول معناه ومستنبطه … فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله والإجماع يثبت بقوله … فإذا؛ الكلام هو المتكفّل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام» (1). كما يتناول في الكلام العلم بالاستدلال والفرق بين البراهين والشبهات ودرك مسالك النظر (2).

ولا يشترط في الأصولي أن يكون من علماء الكلام؛ إذ في كل علم مبادئ مسلّمة تؤخذ بالتقليد في ذلك العلم و يطلب برهان ثبوتها في علم آخر فالأصولي يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ودليل واجب

الصدق، ثم ينظر في وجوه دلالته وشروط صحته» (3). هذا على الصعيد النظري، ولكن الأمر في الواقع كان على خلاف ذلك، إذ لم نجد الأصوليين يسلّمون للمتكلمين بما ثبت لديهم أنه أدلة للأحكام؛ بل أعادوا الانطلاق من نقطة الصفر، وأجهدوا أنفسهم في إثبات حجية القرآن والسنة وأسهبوا في الحديث عن مبادئ العلوم؛ أو ما يعرف بنظرية المعرفة وقيمة النظر العقلي؛ وأخطاء الإدراك التي تحول دون الوصول إلى العلم المطلوب، كما فصلوا الحديث عن العلم الضروري والعلم النظري والفوارق بينهما، وحكم كل منهما على مستوى الأحكام أو الاعتقاد. وليس هذا بالغريب ما دامت مباحث هذه العلوم مترابطة؛ يخدم بعضها بعضا ويوضح بعضها بعضا. ولم يكن هذا التأثر من جهة واحدة؛ بل كان متبادلاً، فإذا كان علماء أصول الفقه قد أخذوا من المتكلمين بعض الطرق؛ فقد أخذ المتكلمون من الأصوليين طرقا كثيرة» (4).

(1) الغزالي المستصفى، 1: 6. وانظر أيضا: البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ.

2) الجويني، البرهان، 1: 78.

(3) الغزالي، المستصفى، 1: 7. 4) النشار، مناهج البحث، 58.

89