Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩٤الفصل التمهيدي ومنذئذ بدأ الأصوليون يصدّرون كتبهم بهذه المقدمات المنطقية، وكانت أكثر هذه المباحث تأثرا بالمنطق اليوناني مباحث الألفاظ والتعريفات (1)؛ فأصبحنا نرى التأثر الواضح بطريقة علماء المنطق والفلسفة في صياغة معان مضبوطة عرفت بالمصطلحات وضعت لها عبارات محدودة تسمى بالتعريفات أو الحدود، وتتم صياغتها بمقاييس المنطق، وهذا ما لم يكن معهودا من قبل؛ بل كان الأصوليون يكتفون في هذه القضايا بالوصف أو الاعتماد على الإدراك الشائع لمعانيها (2). وبرزت صناعة المنطق جلية في كتابات الأصوليين المتأخرين بعد القرن الرابع الهجري، وتركز النقد الأصولي على تحرير التعاريف وفق ضوابط الحد المنطقي (3).
كما برز الاهتمام بتحديد الألفاظ والمعاني وغدت المقاييس المنطقية الوسيلة التي يحتكم إليها في ضبط حقائق هذا العلم وشرح مصطلحاته، وتحليل
قضاياه (4).
ولم يكن الأمر كذلك في بداية العهد بعلم الأصول.
هذه
إن قراءة فاحصة للرسالة التي أبدعها الشافعي تبين خلوها من الصناعة المنطقية، وإن كان منهج الشافعي في بناء الموضوعات فيها قائما على قواعد عقلية منطقية واضحة. وفرق بين رعاية القواعد وتوظيف مضمونها وبين صياغة القواعد والولع بأشكالها ومظاهرها (5).
ويعمد الدارسون إلى الاستدلال على خلوّ الرسالة من أي أثر لصناعة المنطق الأرسطي بتميّز الشافعي بمنهج خاص في كتابه، رغم أن في الرسالة
(1) النشار، مناهج البحث، 65. 2) أبو سليمان، الفكر الأصولي، 164.
(3) ينظر مثلا في حد الواجب الغزالي المستصفى 28/ 1:27 وعلى نفس الخط سار أكثر المتأخرين من علماء الأصول كالآمدي في الإحكام والأسنوي في نهاية السول، والبدخشي في
مناهج العقول، وابن عبد الشكور في فواتح الرحموت. 4 أبو سليمان الفكر الأصولي، 443.
5) ينظر على سبيل المثال: المقدمة المنطقية للغزالي في المستصفى، 1: 10 - 55.
94