Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩٦الفصل التمهيدي
وزكى تلميذه ابن الصلاح هذا الاتجاه المضاد؛ وبدع من مزج بين العلوم الشرعية والمنطق، بل إنه غلا فحكم بحرمة تعلم المنطق وأن من تمنطق فقد تزندق (1)، وهذا الموقف كان هجوما عنيفا وقاسيا على الغزالي. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة مؤلفات خلت من تأثير المنطق الأرسطي، ومن أهمها تأسيس النظر للدبوسي (430 هـ)، وكشف الأسرار على أصول البزدوي، لعبد العزيز البخاري. (ت 730 هـ)، والذخيرة للقرافي (ت 680 هـ) والموافقات للشاطبي (ت 790 هـ)، وكذلك مؤلفات ابن تيمية، (ت 728 هـ). يعتبر أبو بكر الباقلاني خصما بارزا للتراث اليوناني (2).
كما
3 - الإباضية وروافد علم الأصول: لم يكن الإباضية بدعا من الناس في مجال التأليف الأصولي، بل كانت الخطى لدى الجميع متسقة أو متقاربة؛ ما دام الحديث عن منهج وعن علم معياري موحد المصادر والموارد، فانطلاقه من الوحي وغايته الحكم الشرعي. ولكن الاختلاف في بعض قضايا العقيدة صبغ تراث الإباضية الأصولي بهذا اللون العقدي، وتجلى ذلك في كثير من مباحثه وقضاياه، وقد سبقت الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين أصول الدين وأصول الفقه. غير أن الجانب الكلامي أو النظر التجريدي الذي نحا المتكلمون نهجه لم يبرز بصفة مماثلة لدى أصوليي الإباضية؛ بل تجلّى فيه الجانب العملي للعقيدة بصورة واضحة؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتشديد على من أنكر أحد الأصول القطعية أو النصوص القطعية؛ أو استخف بها اعتقادا أو سلوكا.
وكذلك الحال في بناء كثير من الأحكام الاجتهادية على قواعد الاحتياط، والتوسع في مبدإ سد الذرائع ومحاربة الحيل، وتوظيف مبدإ الولاية والبراءة في كثير من القضايا الأصولية والفروعية.
هذا المسلك نابع من العقيدة الإباضية التي ترى الإسلام كلاً لا ينفصل، وأنه هرم قائم على أركان ثلاثة: العقيدة في الجنان والقول باللسان، والعمل
1 الجابري، الفكر السلفي، 131. 2 النشار، مناهج البحث، 64/ 63.
96
B