Alsaidia_319_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩٧بالأركان.
الفصل التمهيدي
وهذا ما سيجليه البحث التفصيلي لقضايا الأصول ومعالم منهج الإباضية
في الاجتهاد.
أما في الفقه فلا جديد يميّز الإباضية عن غيرهم؛ سوي مسائل اختلفوا فيها مع المذاهب الأخرى كانت وليدة منهجهم في استنباط الاحكام، وسوف نعرض لها في ثنايا البحث؛ وذلك كقولهم بتحريم نكاح الرجل مزنيته، وبنسخ المسح على الخفين، وغيرها (1). وقواعد اللغة كانت متفقة بين المدارس الاجتهادية في الغالب الأعم، لأنها من وضع العَرَب وتخضع لعرفهم في الاستعمال، ولا دخل للمتأخرين في تحديدها، وإنما قد تتباين الأنظار حول قوة بعض الدلالات؛ والترتيب والترجيح بينها عند التعارض.
وقد يعتد بعض الفقهاء بدلالة المفهوم ويرونه دليلا للاستنباط؛ بينما يراه البعض تمسكا فاسدا؛ ويكتفي بدلالة المنطوق وحده. ويرى البعض دلالة العام قطعية؛ بينما لا يجاوز به آخرون درجة الظن. إلى ما هنالك من قواعد كانت مجالا خصبا لاجتهاد المجتهدين واختلاف أنظارهم. وإذا نظرنا إلى أثر المنطق في الفقه الإباضي وجدناه أثرا محدودا؛ لم يبلغ الدرجة التي وصلها لدى الغزالي وأتباعه من الأصوليين المتكلمين. وهو ما نص عليه البَرَّادِي عند تعرضه لشرح تعريف الوَارِجلاني للعلم في كتابه العدل والإنصاف، إذ قال: «جرت عادة الأصوليين من الأشعرية بالتبدية بها أي التعاريف]، ويضعونها في أول المصنفات لأن الأشياء لا تعرف إلا بحدودها ورسومها. وأخلى منها الشيخ هذا الكتاب وأظن أن ذلك لما يعلم من إعراض أصحابنا وقصورهم عن هذا المطلب» (2). ففي القرون الأولى ظلت الكتابة الأصولية عند الإباضية في منأى عن هذا التأثير، واكتفت برعاية القواعد العقلية البدهية في التفكير والبرهان؛ وهو ما نجده لدى المشارقة واضحا في جامع ابن بركة.
1) ينظر هذه المسائل الخلافية: أبو الربيع سليمان الباروني مختصر تاريخ الاباضية، 71/ 78. 2 البرادِي، البحث الصادق، 1: 82 و.
97